الغرب بين نفي الإبادة والاعتراف بدولة فلسطين

0
20

تشهد القضية الفلسطينية تحولات جيوسياسية كبيرة، حيث يقف العالم عند مفترق طرق حاسم بين دعم الحقوق الفلسطينية أو الاستمرار في سياسة الازدواجية. يُظهر الموقف الغربي، ممثلاً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تناقضًا صارخًا: فمن ناحية، يتجنب وصف العدوان الإسرائيلي على غزة بالإبادة الجماعية، ومن ناحية أخرى، يتحرك نحو الاعتراف بدولة فلسطين. هذه الازدواجية تثير تساؤلات عميقة حول المبادئ والأخلاق والسياسة الدولية.

منذ أكتوبر 2023، شهدت غزّة حملة عسكرية شرسة أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، معظمهم من المدنيين، وتدمير البنية التحتية بشكل منهجي. تؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وقوع انتهاكات جسيمة، بما في ذلك قصف المستشفيات والمدارس، واستهداف الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.

رفضت دول غربية كبرى، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف ما يحدث في غزّة، متذرعة بعدم اكتمال الأدلة أو بحجة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. هذا الموقف يتجاهل تقارير محايدة صادرة عن منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي إنترناشونال”، والتي تتحدث عن جرائم حرب واضحة ومؤكدة.

يعكس هذا النفي مصالح سياسية واستراتيجية، منها: الخوف من فقدان النفوذ في الشرق الأوسط، والتأثير القوي للوبيات المؤيدة لإسرائيل في صنع القرار، والرغبة في حماية المصالح الاقتصادية والعسكرية مع الكيان الصهيوني.

في المقابل، يشهد الواقع تحولاً تدريجياً في موقف العديد من الدول الأوروبية، مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا، التي أعلنت اعترافها بدولة فلسطين، وانضمّت بذلك إلى أكثر من 140 دولة في العالم تعترف بفلسطين كدولة ذات سيادة. وشكّل هذا القرار ضغطاً على دول أخرى، مثل فرنسا وبريطانيا وكندا، لتغيير موقفها.

لا شك أن الدوافع متعددة لهذا التحول الغربي في الاعتراف بدولة فلسطين، من بينها تزايد التضامن مع الفلسطينيين في الغرب، خاصة بين الشباب والطلاب والأساتذة، مما أجبر الحكومات الأوروبية على مراجعة سياساتها. وربما يكون من بين هذه الدوافع أيضًا محاولة لاستعادة المصداقية الأخلاقية للغرب بعد سنوات من الانحياز الكامل لإسرائيل، وسعيًا من أوروبا لاستعادة نفوذها المفقود في الشرق الأوسط، والبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة عبر البوابة الفلسطينية، في مواجهة الهيمنة الأمريكية، والسعي للظهور مرة أخرى كلاعب مؤثر في الساحة الإقليمية، بعد أن سُحب البساط من تحت أقدام القوى الاستعمارية القديمة.

رغم رمزيته، فإن الاعتراف بدولة فلسطين يبقى غير كافٍ دون تحقيق ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف الاستيطان وآلة القتل والتدمير، ودعم ملموس لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، وحل القضايا الجوهرية مثل قضية القدس واللاجئين.

يُمثل الموقف الغربي حالة كلاسيكية من “ازدواجية المعايير”. فمن ناحية، يُدين انتهاكات حقوق الإنسان في دول أخرى (مثل روسيا أو الصين)، ومن ناحية أخرى، يتغاضى عن فظائع إسرائيل في غزّة. هذه الازدواجية تُضعف مصداقية الغرب وتُعمق أزمة الشرعية الدولية.

الغرب أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسة الازدواجية التي تُغذي الصراع وتُهدر دم الفلسطينيين، أو تبني موقف أخلاقي متسق يقوم على الاعتراف بحقوق الفلسطينيين كاملة، بما فيها حق تقرير المصير، والضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها واحترام القانون الدولي، وأخيرًا إقامة دولة فلسطين.

الاعتراف بدولة فلسطين يجب أن يكون جزءًا من رؤية شاملة للعدالة، وليس مجرد خطوة دبلوماسية لتحسين الصورة. العالم يتغير، والشعوب لم تعد تقبل الصمت أمام الظلم.