في سيرة حياة المناضل أحمد حميدان
هذا الموضوع لا يتعلق بل لا يخصّ على الإطلاق مارسيل بروست وروايته بذات العنوان والمجلدات السبعة التي كرسها لكتابة هذه الرواية، بل بالمهرجان الإحتفالي الذي أقيم في نادي العروبة بتاريخ 13 سبتمبر2025 بمناسبة رحيل الفقيد المناضل أحمد حميدان.
الكتيب الذي وزع على الحاضرين ويحمل بين دفتيه مجموعة مقالات عن الفقيد وملحق صور، كان كفيلا بتعريفنا بهذه القامة النضالية الرفيعة التي لم نعرف عنها إلا أقلّ القليل، لما لصاحب السيرة من تكتم شديد عن سرد محطات تاريخ سيرته ونضاله، ولما لتواضعه الجم من ذكر أي من تلك البطولات والعمل المضني الذي قام به في مرحلة مبكرة من حياته.
المجموعة التي قامت على هذا العمل الجليل (مجموعة محبي أحمد حميدان) رغم الصعاب التي لاقتها استطاعت بالصبر والعزيمة والهمة والمثابرة أن تحصل على بعض مما كان يجب أن يُكتب عن هذا المناضل، الإنسان النبيل الذي “رحل مختنقاً بألف كلمة ولم يسعه أن يقولها” على حد تعبير إبنته دانه حميدان في الكلمة التي ألقتها نيابة عن العائلة.
الكلمات التي لم يقلها والدك يا دانة قد تكون، على ما أظن، أغلى من كل الكلمات التي لم تُقل بعد، والكلمات التي سترددينها العمر كله قد كتبها مرة واحدة وإلى الأبد وهي سرّه المدفون في أعماق قلبه، فالحياة ومضة سريعة لكنها كافية لأن تجود علينا بالقليل من تلك الأسرار. فجملة واحدة قالها لكم تستطيع أن تعبر عن فكرة كبيرة، وكلمة واحدة تستطيع أن تعبر عن عاطفة كبيرة، ومشهد واحد ذكره لكم عن حياته يستطيع أن يعبر عن الحدث كله.
زمن أحمد حميدان وأحمد الشملان وسواهما زمن مفقود، لقد شتتهم القدر في بلدان مختلفةً عبر البحار. ووراء الجبال بعيداً عن أرض وطنهم. نفوس عظيمة معذبة واجهت العناء في حياتها ووقفت ضد الظلم والقدر بصلابة، وإن بحثنا عن شذرات منها من بعض ممن عاصروهم وكتبوا ما عرفوه عنهم، ولكن ليس كل ما يقال الا تعبير عن كاتب المقال أو الإطروحة، ولذلك تأتي هنا أهمية أن يدوّن المناضلونن سيرهم حتى لا يعبث بها الآخرون، فحيواتهم صيغت من حيوات رفاق آخرين قدّموا الغالي والنفيس لوطنهم ولشعبهم ولم يطلبوا شيئاً لأنفسهم على الرغم من قسوة الحياة وظروف المعيشة الصعبة.
الكتيب الذي قامت على إصداره مجموعة محبي أحمد حميدان فتحت لنا كوّة لمعرفة المزيد، ولكن للأسف لم نتمكن من معرفة الكثير عنه من رفاق له رحلوا ولم نسمع منهم شيئاً عن هذا المناضل الفذ، الاّ النزر اليسير، فالسيرة العطرة لهذا الإنسان غنيّة بالمدلولات التاريخية وبالمحطات العديدة التي برز فيها مدافعاً عن الكادحين والشعوب المضطهدة ومن أجل الاستقلال الوطني والتحرر من الاستعمار والهيمنة الأجنبية ومن أجل حياة كريمة لشعوبنا وتحقيق الديمقراطية عبر مشاركة الشعب في صناعة القرار السياسي والاقتصادي.
ويكفي أحمد حميدان فخراً أنه عاش مدافعاً عن هؤلاء المعذبين والمسلوبة حقوقهم في الوطن العربي ليصبح محل إعتزاز وإكبار من قبل كل من عرفه في الخليج والوطن العربي وهذا ما دلّ عليه الحضور الكبير في تلك الاحتفالية، وبينهم من عاصروه من عُمان والكويت إلى جانب رفاقه البحرينيين ليدلوا بشهاداتهم القيمة عن أحمد حميدان وما عاناه من مصاعب، والسجون التي دخلها سواء في عُمان (سجن كوت الجلالي) أو البحرين (القلعة ومن ثم جزيرة جدا) ولما لأهمية ما استرسلوا في قوله حصلنا على حصيلة معقولة عن التحولات الفكرية والسياسية العديدة التي حصلت للحركات الثورية في منطقة عُمان والخليج العربي والدور الذي قام به أحمد حميدان في هذه التحولات نحو اليسار والفكر الماركسي اللينيني كمنهاج عمل استرشدت به تلك الحركات السياسية.
أثرت الأدوار التنظيمية والفكرية التي قام بها أحمد حميدان الحركة الوطنية وأعطت اليسار زخماً ليحتل مرتبة الصدارة في تلك الفترة في الدفاع عن الحقوق بعيداً عن الاطروحات الطائفية والشوفينية والإنغلاق على الذات نتيجة للتطورات التي حصلت في العالم والمدّ اليساري الذي اجتحاح المنطقة العربية وكان للخليج والبحرين نصيب وافر من هذه التحولات الثورية، فالأفكار التي حملها حميدان جسدّها في الأفعال لا في الأقوال، فأصبح مثالاً يحتذى به من بقية رفاقة، قائداً، رمزاً يُهاب لوعيه السياسي العميق الجريء ولشجاعته المجربة في كل معترك.
إنها رحلة إنسان يحمل بندقيةً بيد وبالأخرى كتاباً، يحمل قلبه بيد واثقة وهو يصعد جبل مصيره الوَعر والقاسي لتحقيف أهداف نجح في البعض منها وأخفق في الأخرى، وكان على معرفة أنّ قيمة الإنسان لا تكمن في النصر، بل في الكفاح من أجل النصر وإن قيمة الإنسان كامنة في أن يعيش ويموت بشجاعة دون التنازل بقبول أي جزاء.
ولنا في هذه العجالة بأن نثمن الترتيب لهذه الاحتفالية والجهد المبذول لإظهارها بالمظهر اللائق، جهد يُشكر عليه المنظمون، ولنا وطيد الأمل أن يسلط الضوء مجددا بالمزيد من البحث والتحري عن تلك الأدوار المهمة التي قام بها أحمد حميدان وغيره من المناضلين حتى لا يصبح بحثا عن زمن مفقود من تاريخ الحركة الوطنية في البحرين والخليج العربي، وحتى نعيد لهم بريق تلك الفترة المجيدة التي عاشوها مناضلين أشدّاء لتحقيق مطالب شعبهم في الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وحتى تتعرف الأجيال الحالية على ما قدّموه من تضحيات جسام في سبيل تحقيق تلك المطالب المحقة والمشروعة.



كل التقدير لك اخي حميد و للمنبر التقدمي ( التاريخ العتيد في النضال الوطني)
Comments are closed.