مرّ علينا فى 15 سبتمبر “اليوم العالمي للديمقراطية”، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة عام 2007 لتعزيز الوعي بأهمية الديمقراطية الحقيقية، وليست الديمقراطية التى تعتمد “على المقاس”، مناسبة بروتوكولية تُرفع فيها الشعارات وباتت هذه الشعارات وأي فعاليات تنظم بهذه المناسبة أشبه بمرآة تعكس التناقض بين الخطاب والواقع.
أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش وبمناسبة مرور 18 عاماً منذ إعلان اليوم العالمى للديمقراطية وبمضي 20 عاماً على انشآء صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، قال إن الجهود الرامية للديمقراطية أضحت أكثر أهمية من أي وقت مضي في زمن تتعرض فيه الديمقراطية وسيادة القانون لاعتداءات وانتهاكات بسبب التضليل والإنقسام وانحسار الحيز المدني.
الواقع المعاش الراهن يبرهن على ذلك، ويؤكد أن الديمقراطية فى كثير من الأماكن فقدت بريقها، والقيم التى تحملها تراجعت، ومعانيها الحقيقية فقدت ركائزها، انتهكت وتحوّلت إلى شعارات براقة، وفعاليات تفيض بالكلام عن الديمقراطية التي أصبحت الممارسات الفعلية تخنقها وتفرغها من مضامينها، وباتت قيم المشاركة الشعبية، واحترام أصوات الشعوب، وطرح المطالبات ذات الصلة بالحرية والعدالة وسيادة القانون والمساواة والشفافية وحقوق الإنسان وحرية الفكر وقيم المواطنة، وغير ذلك من قيم وأسس تشكّل مرتكزات الديمقراطية الحقيقية والتى بدونها تكون الديمقراطية محض لعبة شكلية تُداس تحت أقدام اصحاب المصالح والنفوذ. ديمقراطية انتقائية تستخدم كديكور، وكأن تحذير المؤرخ والمنظر السياسي الفرنسي أليكس دو توكفيل قبل قرنين لازال حاضراً فى المشهد العام الراهن عالمياً، وهو القائل “الخطر الأكبر على الديمقراطية أن تتحول إلى قشرة بلا مضمون”..
نعلم أن غالبية الدول تتبنى فى دساتيرها نظماً ديمقراطية، إلا أن الواقع يظهر تراجعاً فى مؤشرات الديمقراطية فى الكثير من دول العالم، وتقارير منظمة “فريدوم هاوس” ومؤشر إيكونومست للديمقراطية تشير إلى انحدار مطرد منذ اكثر من عقد لعد أسباب من أهمها ما يتعلق بتقييد حرية الصحافة والتضييق على حرية التعبير وتحجيم المعارضة السياسية، فضلاً عن الانتخابات الشكلية وضعف الشفافية والمساءلة، وارتفاع نفوذ المال فى العملية الانتخابية، ووصفت بعض المؤسسات هذا التراجع ب “الركود الديمقراطي”، مع ملاحظة ان هناك من يستخدم واجهات الديمقراطية لممارسات تعاكس الديمقراطية.
لن نذهب بعيداً فما يحدث اليوم من مفارقة مؤلمة فى الخطاب الديمقراطي العالمى، والتعامل المزدوج مع عناوين ومفاهيم الديمقراطية تقفز أمام أنظار العالم بين المبادئ المعلنة والمواقف الفعلية، أليس هذا ما يحدث أمام مرأى الجميع فى قطاع غزة من جرائم غير مسبوقة فى التاريخ البشري يكشف عن أزمة عميقة فى منظومة القيم الغربية، حين تتهاوى شعارات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان أمام مواقف سياسية منحازة أظهرت ازدواجية فاضحة فى المعايير واهتزاز فى جوهر الخطاب الديمقراطي، فالديمقراطية لا تكتمل بصناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة إلى آخر القائمة، بل تقاس بموقفها من العدالة، ووقوفها مع المظلوم، ودعمها لكرامة الإنسان، أين ذهبت هذه المبادئ ؟، لماذا وجدنا دولاً لا تتردد فى فرض عقوبات على دول أخرى تحت ذريعة “انتهاك حقوق الإنسان” وهى التي تقف عاجزة أو متواطئة أمام مجازر معلنة ترتكب ضد مدنيين، ثلثهم من الأطفال. وبدلاً من تفعيل أدوات القانون الدولي نشاهد محاولات تبرير التوحش وإسكات الأصوات المنتقدة وحتى قمع المظاهرات الواسعة المنددة بالهمجية التي ترتكب في غزة والمؤيدة لفلسطين.
بالرغم من هول ما يحدث في غزة فان ما جري ولا زال يجري فيها كشف شيئاً آخر هو الصحوة العالمية، التي وإن تأخرت إلا أنها اليوم آخذة في التشكل والاتساع فى الشوارع والجامعات الأوروبية، ومنصات الإعلام الجديد، وحتي في مواقف بعض الدول، صحوة رافضة للإبادة، وتدين النفاق وتؤكد الإصرار على إعادة الاعتبار للإنسان قبل الجنسية والدين، وأي اعتبارات أخرى، ما جرى ويجرى فى غزّة يمكن القول إنّه شكّل صفعة أيقظت شعوب العالم، بعد أن أيقظت فى داخل الجميع أسئلة صعبة، لماذا يقتل الأطفال والنساء والشباب والشيوخ بصمت دولي؟، و من يملك حق الدفاع ؟، وهل مازالت حقوق الإنسان شاملة أم أنها حكر على طرف دون آخر؟، لماذا اختبأ خلف الأقنعة من كان يدافع عن القيم والمبادىء وحقوق الإنسان؟، وكم مرة استخدمت فيها الديمقراطية كأداة ضغط وليس كقيمة إنسانية؟
فليعلم الذين احتفلوا بالديمقراطية فى يومها العالمي بأن الديمقراطية لا تختزل فى مناسبة سنوية، واحتفالات بروتوكولية، بل إلى إرادة عالمية تنهي زمن الكيل بمكيالين، فهي عقد اجتماعي حقيقي بين الحاكم والمحكوم، لا تُقصى فيه الشعوب من القرار، لا إلى برلمانات ليست كالبرلمانات، ومحاصرة الصحافة، وتضييق الخناق علي المجتمع المدني ومؤسساته. الديمقراطية ليست شعارات ترفع عن العدالة فيما العدالة غائبة، وليست خطابات تطنطن، ولا عناوين تملأ مواقع التواصل. الديمقراطية لا تشترى فى بورصات السياسة، وليست مجرد ديكور سياسي يجّمل قبح المصالح ويجعل الأوطان تدار كإقطاعيات خاصة ..!
أية ديمقراطية تبشر بها دول كبرى وهى تدعم أنظمة لا تعرف من الديمقراطية إلا اسمها، وأي معني للديمقراطية بينما الشعوب مستبعدة من القرار، ترفع شعارات العدالة بينما العدالة غائبة، وما لم تتحوّل الديمقراطية من شعار يرفع إلى واقع ملموس لا تكال فيه الأمور بمكيالين، ولا تكون فيه الديمقراطية مجرد زينة سياسية.
سيظل هذا الاحتفال، وأي مناسبات تتغني بالديمقراطية، مجرد مسرحية كبرى يصفق فيها الممثلون بينما يظل الجمهور مكبلاً بلا صوت ولا قرار، فليحتفلوا ما شاءوا لكن الشعوب تعرف بل تلمس الحقيقة على ارض الواقع الملموس.
ونختم بالقول إننا لم نتطرق إلى حال الديمقراطية فى البحرين ومنطقتنا العربية، فحالها معروف وملموس، يكفي القول “إن الديمقراطية بكل أبعادها، وتجلياتها ومقتضياتها فى بلدنا والمنطقة لازال حلماً مؤجلاً “.


