تسليع التعليم

0
56

السياسات الأخيرة المتعلقة بالرسوم الدراسية في الجامعة الوطنية، خصوصاً ما يتصل بإعادة المقررات أو تمديد سنوات الدراسة، حوّلتها إلى تاجر يسعى للكسب والربح، متناسيةً ما وجدت لأجله في إتاحة التعليم العالي إلى كافة شرائح المجتمع، وهو ما بات يُشكّل معضلة يتجرعها الطلبة وأسرهم بصمتٍ ثقيل. الطالب البحريني يدفع رسوماً رمزية مدعومة في حال التزم بالمدّة النظامية للدراسة، غير أن الدعم يتبخر بمجرد أن يعيد مادة للمرة الثانية أو يضطر لتمديد فصله الدراسي، ليجد نفسه أمام أرقام مضاعفة لا تتناسب مع دخله ولا مع فكرة أن التعليم الجامعي حقّ عام.

تبرر الجامعة هذه السياسة بأنّها وسيلة لضبط الجدية الأكاديمية وترشيد الدعم الحكومي، غير أن هذا التبرير يتجاهل واقعاً أكثر تعقيداً. فمن يعيد المقرر قد يكون ضحية ظرف صحي أو اجتماعي، لا طالباً مهملاً أو متهاوناً. والطالب الذي يضطر لتمديد دراسته ليس بالضرورة عابثاً بوقته، بل قد يكون متأخراً بسبب تغيير التخصص أو ضغط ظروف خارجة عن إرادته. تحويل هذه الحالات الإنسانية إلى “مخالفة مالية” يعكس عقلية محاسبية جافة أكثر مما يعكس سياسة تعليمية عادلة.

النتيجة المباشرة لهذه القرارات هي زيادة الفجوة بين الطلبة القادرين على تحمّل الأعباء وبين أولئك الذين بالكاد يستطيعون دفع الحد الأدنى. بعض الأسر تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التضحية بمدخراتها من أجل بقاء أبنائها في مقاعد الدراسة، أو تركهم ينسحبون قبل التخرج. والجامعة هنا تتحول من مؤسسة تمكين إلى مؤسسة إقصاء.

من حقّ الجامعة أن تبحث عن استدامة مواردها، لكن من واجبها أيضاً أن تبتكر حلولاً أكثر إنصافاً، مثل وضع معايير استثنائية للحالات الخاصة، أو توفير دعم تدريجي بدلاً من القفز مباشرة إلى الرسوم الكاملة. التعليم ليس سلعة تباع وتشترى، بل استثمار وطني في الإنسان البحريني، وأي سياسة تُحوله إلى عبء خانق تفقد معناها قبل أن تفقد مشروعيتها.