عن طفولة غرامشي وسنواته الجامعية
في البداية كان طفلاً سعيداً. أحاطه كل أفراد الأسرة بعناية فائقة. الجميع كان يناديه “نينو” تدليلا.حين بلغ الرابعة من عمره بدأت حدبة صغيرة بالبروز في عموده الفقري. تحوّل تدريجياً إلى طفل أحدب ذي رأس كبير. انتاب الفزع والدته التي شكّت في أن سبب تلك الإعاقة ربما يعود إلى سقوطه من يد المربية التي كانت تعتني به. نفت المربية ذلك، ولم يصدقوها. هرع والداه إلى أقرب مدينة ليفحصه أحد الأطباء. حار في البداية، ثم نصحهم بتعليقه بحزام جلدي مربوط بأعلى سقف الغرفة حتى يتمّ تصحيح “الإعوجاج” في ظهر الطفل، وهذا ما تمّ فعله. كل يوم قبل أن يذهب الأب إلى العمل يقوم بتعليق ” نينو” من ظهره بالحزام الجلدي لمدة أربع ساعات. النتيجة أن حالة الطفل تدهورت، وإزداد تحدباً، بل ظهرت له حدبة إضافية في أعلى قفصه الصدري، وبدأت تنتابه نوبات تشنج مصحوبة بنزيف من الفم واعتقدوا أنه أصيب بالصرع. قال الطبيب إن حالته ميؤوس منها ولن يعيش طويلاً، وقامت والدته بتجهيز كفن صغير انتظاراً للحدث المأساوي. ولكن الطفل عاش، وكبر، وتعايش مع مرضه طيلة حياته (فقط في عام 1933 تمّ تشخيصه بإصابته بمرض نادر من السل يصيب النخاع الشوكي). الطفل الأحدب “نينو” صار “أنطونيو غرامشي”، قامة فكرية ونضالية شامخة، ألهمت أجيالاً متعاقبة منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن.
في كتابه المهم بعنوان “أن تعيش هو أن تقاوم – حياة أنطونيو غرامشي” الصادر عام 2021، قام المؤرخ الفرنسي “جان إيف فريتيني” بتتبع سيرة حياة غرامشي الإنسان، محاولاً إماطة اللثام عن العديد من الأساطير التي أحاطت بشخصية المفكر. في إحدى المقابلات أجاب المؤرخ على سؤال: “كيف نتعامل مع أنطونيو جرامشي؟” بقوله: “هناك ثلاث طرق ممكنة: أن ندرس حياته، أو نبحث في تأثيره على الأجيال اللاحقة، أو نقتصر على تحليل أعماله الفلسفية في السجن. أنا اخترت حياته”. يبدو أن سيرة حياته مفتاح لفهم أعماله، إن لم تكن شرطا ضروريا لذلك. للأسف حظّ قراء العربية ليس جيداً، حيث يمكن ملاحظة قلّة الأعمال التي تناولت سيرة حياة ذلك المفكر الايطالي الشهير ولكن الغامض في نفس الوقت.
كان كتاب المؤرخ الأمريكي جون كاميت الذي ألفه عام 1960، وترجمه عفيف الرزاز إلى العربية عام 1984، هو الكتاب الوحيد الذي تناول سيرة حياة غرامشي بالتفصيل. عدم معرفة سيرة حياته تساهم باعتقادي في إهمال دور السياق الشخصي والتاريخي في تشكيل أفكاره ،مما قد يؤدي الى نسخ بعض أطروحاته ومحاولة تطبيقها على ظروف مختلفة. في الكتاب سعى المؤرخ الفرنسي إلى تبيان كيف كانت حياة غرامشي سلسلة لا تنقطع من مقاومته لمصاعب عديدة، بدأ من مكابدته المريرة مع مرضه المزمن وإعاقته الجسدية، وانتهاء بمقاومته لظروف اعتقاله طيلة الإحدى عشر عاما التي قضاها في سجون الفاشية الايطالية. الكتاب مقسم إلى خمسة فصول: في الأول نقرأ تفاصيل حياة غرامشي في سردينيا حتى بلوغه سن العشرين ومغادرته للجزيرة متجها إلى مدينة تورين الصناعية في الشمال الإيطالي ليتلحق بداسته الجامعية.
في الثاني تمّ استعراض حياته كطالب جامعي والصعوبات التي واجهته مما أجبره على الانقطاع عن الدراسة الجامعية والانخراط بنشاط في الكتابة الصحفية والنشاط السياسي ضمن الحزب الإشتراكي الإيطالي. في الفصل الثالث المعنون “البلشفي” نقرأ عن تفاصيل إقامة غرامشي في موسكو مطلع العشرينات من القرن الماضي ثم عودته إلى إيطاليا وقيادته للحزب الشيوعي الإيطالي الذي تأسس عبر الانشقاق عن الحزب الاشتراكي. خصص المؤرخ الفصل الرابع والخاتمة لأصعب مرحلة في حياة غرامشي؛ اعتقاله من قبل السلطات الفاشية بزعامة موسيليني، ومحاكمته وسجنه لفترة 11 سنة انتهت بوفاته في إبريل 1937، أي قبل عامين من اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ولد أنطونيو غرامشي في 22 يناير 1891 في بلدة آليس جنوب غرب جزيرة سردينا الايطالية، لعائلة يمتد نسبها من جهة الأب إلى أصول يونانية – ألبانية (من قرية غرامش في جنوب شرق ألبانيا) ومن هنا جاء إسم العائلة الغريب. طوال حياته كان انطونيو مضطراً إلى نطق وتهجئة إسم عائلته، وتفسير مصدر التسمية للناس، الأمر الذي كان مصدر إزعاج مستمر له. كان الابن الرابع من سبعة أبناء لوالدين: الأب يعمل بوظيفة حكومية في مكتب السجل العقاري، ووالدته من عائلة متوسطة الحال من سردينا. حين كان أنطونيو غرامشي في السادسة من عمره حلّت الكارثة على أسرته، حين تمّ تلفيق تهمة الفساد على أبيه من قبل مناصري أحد الزعماء السياسيين الذين كان يعارضهم، وحكم عليه بالسجن لخمس سنوات نتيجة لذلك. ألقيت مسؤولية إعالة الأسرة على عاتق والدة غرامشي لوحدها، التي تصدت للمصيبة بإرادة لا تلين.
لاحقاً كتب عنها غرامشي في إحدى رسائله من السجن إلى شقيقته: “هل نستطيع أن نفعل ما فعلته والدتنا قبل خمسة وثلاثين عاما؟ هل نستطيع أن نقف وحدنا في وجه كارثة كهذه، وننقذ مصير سبعة أطفال من الهلاك؟ لقد كانت حياتها درساً عظيماً لنا، فقد أظهرت مدى أهمية الصمود في التغلب على مصاعبٍ تستعصي حتى على أشجع الرجال..لقد عملت من أجلنا طوال حياتها، وقدّمت تضحيات لاتحصى. من يعرف أية كارثة كانت ستحلّ بنا لو لم تفعل كل ذلك؟ ربما لن يكون أي منا على قيد الحياة اليوم!.”
اشتغلت أمه بحياكة القمصان وغسيل ملابس الجنود لقاء أجر زهيد، وكان انطونيو يساعدها عبر حمل الملابس الى أصحابها في القرى والبلدات المجاورة. خلال تلك الجولات علقت بذاكرته بعض المواقف والمشاهد التي لن ينساها أبداً: شاهد جمال الطبيعة العذراء في سهول وغابات سردينيا، ونما لديه شغف وانجذاب مبكر لن يفارقه طيلة حياته تجاه مختلف الحيوانات البرية. ولكنه صادف أيضا مواقف مؤلمة لن تغادر ذاكرته أبداً.
في إحدى القرى شاهد إحدى الأمهات تلقي فضلات الطعام في حضيرة الحيوانات، وصُدم غرامشي حين لاحظ أن ابنها المصاب بمرض عقلي يعيش مكبلا بالسلاسل مع تلك البهائم. في بلدة أخرى صادف امرأة شابة كانت تسعى لإدخال أمها العجوز (ولكن السليمة عقليا) إلى مستشفى للمرضى العقليين للتخلص من رعايتها. انطبعت في ذاكرته تلك المشاهد كنماذج لمن سلبت إرادتهم من قِبل من يتحكم فيهم، كما ستكون حاضرة في ذهنه حين كان يبلور أفكاره حول الفئات التابعة والمهمشة في المجتمع. إضطر غرامشي وشقيقه الأكبر لقطع دراستهم لمساعدة والدتهم والعمل في إحدي المكاتب الحكومية . قال لاحقاً: “لقد بدأت العمل وأنا في الحادية عشرة ..كنت أعمل عشر ساعات باليوم وكان عليّ أن أحمل ملفات ضخمة يفوق وزنها وزني، وكثيراً ما قضيت الليل أبكي سراً لأن بدني كله كان يؤلمني. لقد عرفتُ دائماً أشدّ جوانب الحياة قسوة، ولكني تمكنت أيضا من تدبر أموري”.
هذا المزيج من المعاناة المستمرة من ظروف خارجة عن سيطرته مقابل إرادته القوية في التصدي لتلك المعاناة هو ما ميّز شخصيته طوال حياته. كتب إلى شقيقه الأصغر ذات مرة: “لا تتوقع شيئاً من أحد. وبهكذا تستطيع تجنب الخيبات في حياتك. علينا أن نفعل فقط ما نعرف أننا نستطيع فعله، وأن نواصل دربنا”. بعد خروج والده من السجن، واصل غرامشي تعليمه باذلاً أقصى جهده على الرغم من هشاشة وضعه الصحي، وتمكّن من إحراز نتائج عالية في اختبارات الثانوية العامة أهلّته للحصول على منحة جامعية للدراسة في مدينة “تورين” الصناعية في الشمال الإيطالي.
حين وصل “تورين” صدم بالواقع، وهو الآتي من جزيرة اعتبرت من أقصى الهامش الإيطالي المتخلف. من البداية واجه عقبتين: أولاً فقره المادي، ثم هشاشة وضعه الصحي. كانت المبالغ التي لديه بالكاد تكفيه للعيش في هذه المدينة الصناعية المتطورة ذات تكاليف المعيشة الغالية. اضطر لتأجير غرفة في علية إحدى المباني القريبة من الجامعة (تحوّل المبنى الآن إلى “فندق بيازا كارلينا”، أحد أفخم الفنادق وسط تورين).
كانت المنحة التي حصل عليها تتطلب حضوره المحاضرات، واجتيازه للاختبارات بمعدل عالي. ولكن هشاشة وضعه الصحي جعلته دائم الغياب عن المحاضرات. فجأة في شتاء عام 1912 تدهورت حالته الصحية بشكلٍ سريع، إذ عانى من نوبات يومية من دوار الرأس، مصحوبة بتعكر في المزاج وفقدان مؤقت للذاكرة، لدرجة أنه واجه أحيانا صعوبة في التحدث بدون تأتأة الكلمات. وجد نفسه عالقاً في حلقة مفرغة: للحفاظ على منحته الدراسية في ظل غيابه المتكرر، كان عليه أن يضاعف جهوده بالدراسة، ولكن بمضاعفة جهوده، إزداد تدهور صحته الجسدية والنفسية. أشار المؤرخ إلى أنّ رسائل غرامشي خلال فترة الجامعة تعتبر من أكثر رسائله حزناً. أصيب بحالة اكتئاب حادة دفعته للعزلة. شعر بأنه سجين جسده، وسجين فقره في نفس الوقت. نظراً لتكرار غيابه عوقب من إدارة الجامعة بوقف المنحة، على الرغم من علاماته الجيدة.
في وقتٍ ما من عام 1916 بدأ غرامشي بالخروج تدريجياً من اكتئابه، على الأرجح نتيجة انخراطه بنشاط في الكتابة الصحفية والنضال السياسي في صفوف الشبيبة الاشتراكية في المدينة، التي كانت تشهد آنذاك تظاهرات وإضرابات عمالية كبيرة. في ذلك العام كتب رسالة مؤثرة إلى شقيقته الصغرى “غرازيتا” ضمنها اعتذاره عن انقطاعه عنهم لفترة طويلة. كتب فيها: “ما كان ينبغي لي أن أعزل نفسي عن الحياة بهذه الطريقة. لقد عشتُ الفترة الماضية معزولاً عن العالم، وبدا الأمر كما لو كنت أعيش حلماً مزعجاً.. تدريجياً انقطعت كل الخيوط التي تربطني بالحياة وبالناس. عشتُ كل شيء للعقل، ولم أعش شيئا للقلب. ربما كان ذلك بسبب أن عقلي كان دائم المعاناة..لكنني عملت وبذلت أقصى جهدي، ربما أكثر مما تسمح به قوتي البدنية. عملتُ لأعيش، بينما كان عليّ أن أرتاح وأستمتع لأعيش. ربما لم أضحك كما لم أبكِ أبداً … أشعر أنه ربما حان الوقت الآن لاتخاذ قرار، لا يمكنني البقاء هكذا لفترة أطول”.


