أكدّ العدوان الإسرائيلي على دولة قطر الشقيقة، مجدداً، أنّ التعويل على الولايات المتحدة الأميركية ضامناً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي هو وهم كبير. فعدوان بهذا الحجم على دولة مستقلة ذات سيادة وتربطها بواشنطن علاقات استراتيجية متعددة الأوجه، شأنها في ذلك شأن بقية دول المنطقة، ما كان ممكناً بدون علم واشنطن وسماحها به.
بعث هذا العدوان رسالة واضحة بألا ثقةَ في واشنطن التي تقدّم نفسها حليفاً لبلدان المنطقة، وتملك قواعد عسكرية كبيرة على أراضيها، فهي مستعدّة في سبيل إرضاء إسرائيل ودعمها في تحقيق أهدافها لإدارة ظهرها لمصالح حلفائها في الخليج، ولسيادة بلدانهم في وجه التهديدات، فما يحكم نهج أمريكا هو مصالحها ومصالح إسرائيل، لا مصالح دولنا، وليس أدلّ على ذلك من أنّ وجود قادة “حماس” في الدوحة، قائم بموجب تفاهمات دولية وإقليمية، وإسرائيل طرف فيها، كما أنّ العاصمة القطرية محطّة مفاوضات دائمة حول الوضع في غزّة، وحتى اجتماع قادة حماس الذين استهدفهم العدوان الإسرائيلي كان ضمن الترتيبات الجارية لبلوغ هدنة في القطاع.
على دولنا أن تعيد النظر في نهجها، عبر علاقات متساوية مع الأقطاب الدولية الوازنة، وأن تكفّ عن الاعتماد الأعمى على واشنطن، في ظلّ ما يشهده العالم من تغيّرات في اصطفاف القوى، يختلف عن الذي كان قائماً فترة الحرب الباردة، حيث ينطلق توازن اليوم من المنافسة الاقتصادية، وشبكة المصالح الناشئة عنها، ودول الخليج طرف فيها، بسبب ما تملكه من مخزون الطاقة، النفط والغاز تحديداً، وإن كانت دولنا أدركت ذلك، ولو متأخّرة، فنوّعت من علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الصين وروسيا وغيرهما، لكنّها ظلّت متردّدة في أن تمدّ هذا التعاون إلى مجالاتٍ أبعد لتحقيق حماية دولية أشمل وأكثر صدقيّة.
يفوق ذلك في الأهمية ضرورة تعزيز الوحدة الخليجية بوصفها الشرط الأساس لمواجهة التحدّيات الأمنية المختلفة، وهو مطلب قديم متجدّد، لكنّ العدوان الصهيوني على الدوحة لفت النظر إلى أهميته في الظروف المستجدّة التي تمرّ بها المنطقة، حيث كان المأمول أن يكون تأسيس مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 منطلقاً نحو وحدة خليجية، فمتى نبلغ المرحلة التي نحقق فيها شعار “خليجنا واحد” بالفعل لا بالقول، عبر وحدة خليجية صلبة قوامها سياسة خارجية منسجمة، ومنظومة دفاع موحدة وفعّالة، وتأمين شروط المشاركة الشعبية في رسم القرار، فأمن أي بلد أو مجموعة بلدان متحدة، لا يمكن تأمينه، وخصوصاً وقت الشدائد، دون مشاركة شعوبها.

