البناء الإنساني في المجتمعات، ينتمي إلى عوامل وظروف كثيرة، في السياسة والثقافة والتاريخ والجغرافيا. وعندما نلاحظ عناوين التغيير المهمة في تاريخ المجتمعات الحديثة نجد أن دور الفكر والثقافة ومكانة السياسة، قد ساهمت كثيراً في إضاءة الطريق لمسارات التحديث والإصلاح على مستوى بنية المجتمع وتطوير الدولة.
في المجتمع البحريني، كانت الثقافة، ولا زالت، حاملاً ورافداً مهماً في تاريخها الحديث والمعاصر؛ وهي التي أنجبت وأسست على مستوى البحرين والخليج، كتّاباً ومنابر فكرية وثقافية؛ كان لها الأثر الكبير في نهضة الثقافة وتنوير المجتمعات في هذه المنطقة. وعندما نتطرق إلى هذه الشواهد التاريخية في ثقافة البحرين والخليج؛ فإننا نفتح باباً نحو أهمية الفكر والثقافة في تاريخ السياسة في البحرين، وتاريخ السياسة بشكل عام.
التطلع إلى الأمام وبناء المستقبل، لا يتكوّن غالباً من الفراغ، بل من العوامل والمعطيات التي تساهم في بنائه وتشكيله؛ من خلال القواعد الفكرية والثقافية والأيديولوجية. وعندما نحاول أن نطرح فكراً جديداً ومختلفاً فهو، في الحقيقة، بحثٌ عن مراكز النور التي تساهم في بناء الأوطان وسعادة الإنسان.
الأحداث والتاريخ، هي جزءٌ لا يتـجزأ من الفكر والثقافة. ذالك أنّ المراحل والتجارب التاريخية هي نوعٌ من أنواع الدروس والإختمار التي تساهم في الوصول نحو الحالة الأرقى والأمثل. ولو أردنا أن نقيس بذالك محطات تاريخنا السياسي والإجتماعي الحديث، فإننا سنحاول تقسيمه إلى أربع مراحل، هي التالية: المرحلة الأولى هي مرحلة مابعد الإستقلال في مطلع السبعينات. والثانية في مطلع الألفية وبداية العهد الإصلاحي الجديد، والثالثة هي في الحراك المطلبي والشعبي الذي بدأ في العام 2011. والمرحلة الرابعة هي اليوم؛ أي في العام الحالي 2025، وما رافقتها من أحداث وعناوين وسياقات.. والتي تتمثل في مبادرة العفو الملكي، وأيضاً للمعطيات والمتغيّرات الجارية على جغرافيا المنطقة؛ بل وعلى جغرافيا العالم أيضاً.
هل نحن بحاجة إلى ثقافة بحرينية جديدة..؟ أعتقد أن الجواب هو نعم؛ من أجل بناء مستقبل أكثر اشراقاً ووضوحاً وثقة. وجميع هذه الآمال والطموحات، تستنهض قيم الفكر والثقافة فينا؛ التي تعمل وتنتمي، نحو قيم الخير والعدالة والطبيعة. وليس من الإنصاف والمسؤولية، أن نحيا جامدين بعد كل هذا التاريخ الحافل، وبعد كل هذه التجارب والدروس؛ ليس فقط على مستوى وطننا الصغير البحرين، بل على مستوى العالم والإنسانية؛ التي جعلته “التكنولوجيا” قريةً صغيرةً ومتقاربة. وليست السياسة والإدارة وبناء الدولة هي المقصد وحده؛ بل جميع ما يتصل بشؤون الإنسان والإنسانية، من تربية وعدالة وغذاء وبيئة وغيرها.
لا يزال مفهوم المواطنة ومفهوم الدولة في بلدنا يعيش في مسارات التكوين والولادة. وإن هذه المقولة ستحمل نوعاً من التكهن والأسئلة.. ذالك أن تاريخنا المعاصر؛ السياسي والإجتماعي، قد مارس الفعل والبناء في فصوله الأولى والحديثة، ولكن التقييم الأشمل يكون من خلال النتائج والمنجزات التي عكست مراحل التوافق السياسي والتحوّلات، على ضوء مشاريع الإصلاح وأولوية المواطنة. وجميع هذه الأهداف تعتبر من الخطوات المهمة والإيجابية؛ ولكنها لم تصل إلى المستوى المنشود من الإكتمال والنضج. وليس في هذا الأمر مدعاة للتقليل من حضور للفاعلين السياسيين والقوى الوطنية المهمة والمؤثرة على الساحة السياسية البحرينية، ولكن هذه القوى لا زالت بالتقييم الموضوعي والإجتماعي والزمني، في مراحل النضج والإكتمال والتحديث؛ نحو طريق الوصول إلى رؤية عصرية ووطنية، تجمع المجتمع التعددي، تحت راية المواطنة والدولة.
مركزية المواطنة ومركزية الدولة هي الطموح السياسي العصري الذي يجتمع البحرينيون حوله اليوم، من خلال المشاركة في السلطة والقرار من داخل المنظومة التشريعية؛ والتي تبني، بالمقابل، مشروع العدالة الإجتماعية وإصلاح الدولة. وإن مشاريع الهروب والتأجيل من هذا الاستحقاق الوطني والبحريني المنشود هو تكريسٌ لحالة الخسارة والأزمة، في حق البحرينيين والأجيال القادمة.
إن قيم الإصلاح السياسي وقيم المواطنة هي المنظومة الإدارية الصحيحة للدول والمجتمعات في هذه المنطقة. وبعيداً عن الإختلافات الثقافية والجغرافية بين دول الخليج؛ إلا أن تاريخ البحرين السياسي والثقافي يفرض علينا كبحرينيين، مجتمعاً وحكومة؛ أن نكون عنواناً رائداً ومُـنيراً، في تعزيز قيم المواطنة وبناء الدولة. والنجاح الحاسم والمفصلي لهذه الرؤية، لا يستطيع أن يتجاوز أهمية الإنسان والمواطنة والهوية والتي تستطيع السلطة والدولة البناء عليه اليوم، من خلال مسارات الإصلاح ومبادئ المصلحة البحرينية. ولا يمكن لأي حكومة أن تعتقد بأن “تجاوزاتها” الواضحة وغير المدروسة لسياسات المواطنة والدولة قد تمكّـنها أن تكون على مستوى من المكانة والإنجاز، في ظل طموحات المجتمع البحريني وحاجاته الأساسية في التمثيل والمكانة.
تاريخ الإصلاح ومطالب التغيير في البحرين، يعود إلى عقودٍ طويلة ومراحل مختلفة. ولكنه اليوم قد أخذ منعطفاً جديداً ومختلفاً. ومن الطبيعي أن نقرأ السياق الحالي والعام للأوضاع والتحوّلات في المنطقة العربية والعالم؛ بحسابات التأثير والجيوبوليتك التي تساعدنا على فهم الأحداث السياسية ومآلات المراحل. وعندما نتابع أدوار الإصلاح في بلدنا البحرين، نجد أن منجزات التغيير والإصلاح السياسي تحمل معها غالباً المراحل المكلفة والباهضة من أجل الوصول إلى المبادرات والغايات المطلوبة. ومجدداً، ليس في هذا التحليل، ما يدعو إلى الغرابة أو الحسرة على مثل هذه النتائج، بل في بحث الأسباب وقراءتها، من أجل بلورتها في سياق فهم الأحداث ومراجعة تاريخ الإصلاح والمطالبات الإصلاحية في البحرين.
أما في هذه اللحظة الراهنة؛ لم يعد في الإمكان التجاوز على الأحداث والحقائق والتحوّلات. هذه التحوّلات، التي عاشتها المنطقة العربية وجغرافيا المشرق من حروب وصراعات وتوازنات، والتي أضاءت بالكثير من المعاني والأسرار طبيعة المصالح والسياسات، حول التحديات والحروب القائمة في المنطقة العربية والشرق الأوسط عامة.
عندما نتطرق في هذا المقال إلى مسألة “الثقافة البحرينية الجديدة”، من الجدير جداً أن نتكلم عن مسألة الإنتماءات المذهبية والوطنية؛ والتي دخلت في حالتنا البحرينية في حساباتٍ مهمةٍ ومختلفة. ذالك أن هذه المسألة مرتبطة بالتاريخ والهوية والمعتقدات الإجتماعية؛ وأيضاً بالأبعاد السياسية والثقافية. وجميع ما سبق هو دليلٌ ومحـصّلة على التطوّر والتغيير في تاريخ هذا المجتمع. ونعني في هذا السياق بالتأكيد الأبعاد السياسية والفكرية في الحياة البحرينية، تلك الحافلة بالمراحل والتحوّلات.
ماهو معنى مفهوم الإنتماء المذهبي والإنتماء الوطني..؟ وهل هما حقاً بهذا المستوى من الإختلاف والتباعد، أم أن هنالك حساباتٍ وظروف قد ذهبت بعيداً نحو التصنيف والإلغاء..؟
إن المفاهيم والإنتماءات في الحياة، لا تتشكل عن طريق الصدفة؛ بل عبر مساراتٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ مختلفة. وعندما نحاول تعريف القصة والمعنى لهذه الإنتماءات بهدف توضيح الأبعاد التي يتجاهلها القائمون على التمثيل والقيادة في توصيفها – والتي لم تتمكن من الوصول، حتى الآن، نحو المنجز الحضاري والإنساني في مسألة المشاركة والإصلاح وتحمل المسؤولية، فكلمة العدالة ليست ترفاً ثقافياً أبداً، بل هو محاولةٌ للوصول نحو قيم جديدة وعادلة؛ ينطوي تحتها الجميع، بلا مزايدة أو إهمال للمسؤولية.
في مسألة الإنتماء المذهبي، فإنه الإنتماء الخاص والأقدم؛ أي قبل نشوء مفهوم الدولة وتكوين المجتمعات الحديثة التي نعرفها اليوم. وشيئاً فشيئاً تزامن هذا الإنتماء مع التطوّر والتحديث على مستوى المجتمع والدولة. والإنتماء المذهبي – كما يعرف الجميع – يتداخل مابين الثقافة والعقيدة الدينية، والذي يحمل الكثير من الروابط والإنتماءات المهمة والمؤثرة كجزء طبيعي ومتوازن مع الثقافة البشرية عبر التاريخ. ونحن في البحرين، ننتمي إلى هذه السيرة العريقة من التاريخ الإنساني؛ والذي من الجدير جداً قراءته والفهم المُـنصِف لأبعاده.
الثقافة والمجتمع في البحرين تنتمي إلى مكوّنين رئيسيين، السني والشيعي. وبالنظر إلى الظروف والملابسات التاريخية المعروفة فإن صورة الانتماء المذهبي في المكوّن الشيعي قد برزت بشكلٍ أكبر؛ نتيجة عدة عوامل وحسابات، قد يكون أهمها تراجع مفهوم العدالة الإجتماعية وبناء دولة المواطنة. وعندما نصل إلى مسألة الإنتماء الوطني نجد أن الدولة قد تشكّلت بالمذهب الآخر، أي المذهب السني؛ وليس هنالك ما يدعو إلى الإستغراب في هذا الشأن، لأنه ينتمي، بحسب تقديري؛ إلى الظروف والمعطيات التاريخية والسياسية، وأيضاً لمستويات الحضارة والثقافة في هذا الجزء الجغرافي من المنطقة. والأزمة العميقة في حالتنا، هي غياب الرؤية السياسية والوطنية في بناء وإصلاح الدولة، والتي تصل في بعض الأحيان والمراحل إلى الإلغاء والرفض المطلق؛ مما يدفع بنا نحو التساؤلات المهمة عن حقيقة الحداثة والمواطنة وبناء المجتمع في البحرين.
بناء الدولة في البحرين لم يتجاوز المشاريع والحلول المؤقتة في صياغة الإنتماءات المذهبية والوطنية؛ من أجل بلورتها في معالجة السياسات العامة والقيم الوطنية. لذالك، أصبحت الأزمات المرتبطة بالإصلاح والعدالة وبناء الدولة، في المجتمع والإقتصاد والسياسة؛ تتراوح بين التراجع والتقدّم وبين شكليات الإصلاح وطبائع الإستملاك والأنانية والفساد. وإن الإنحدار في مشروع الإنتماء الوطني وبناء الدولة، لا علاقة له بالمذاهب أو الأفراد؛ بل بتراجع ثقافة القيم ومبادئ المصلحة العامة والتي تكرسها الدولة بسياساتها وقوانينها من جانب؛ وأيضاً من خلال الجمود والخضوع في المجتمع، كل المجتمع من جانب آخر.
لا تستطيع الهوية البحرينية الأصيلة أن تتجاوز طبيعة الإنتماءات في المجتمع البحريني؛ فهي تعرف جيداً تاريخ وثقافة هذا المجتمع وما يحمل بين ثناياه، من معتقدات وتعددية، ثقافية واجتماعية. والصيغة الحضارية المطلوبة اليوم هي المشاركة والتكامل بين الإنتماء المذهبي والإنتماء الوطني من خلال مشروع ومبدأ المواطنة وقيم الإصلاح السياسي الديمقراطي، كون الإنتماء المذهبي هو الإنتماء الخاص، والإنتماء الوطني هو الإنتماء العام. ولا مزايدة أبداً بين الإنتماء الأول والثاني؛ لأنه يتجوهر، بالتأكيد، في الوجدان والإنتماء البحريني.
المنجزات الحقيقية والمطلوبة اليوم – في الحياة السياسية والثقافية والإجتماعية في البحرين – هي التي تحاول العمل على بناء مفهوم “الإنتماء البحريني والإنتماء الوطني” في حياتنا العامة. وجميع الأفراد والفئات في هذا المجتمع يتحملون هذه المسؤولية الأخلاقية والإنسانية؛ من أجل الإرتقاء بالهوية والمصلحة البحرينية، لذلك فإن الثقافة البحرينية الجديدة، هي عنوانٌ ضروريٌّ ومركزيٌّ في هذه اللحظة والمرحلة الراهنة.. على مستوى الخليج والمنطقة والعالم. الثقافة البحرينية الجديدة، تقول لنا اليوم بأهمية الحضور والمشاركة والفعل في إدراك المسؤولية الضرورية والحضارية لقيمة الأوطان والإنسان.. وعن قيمة العدالة والحريات التي تدافع عن الحق في الإحتجاج والتظاهر ورفع الصوت عالياً، في وجه الإستغلال والطبقية وهدر الثروات.
المبادرات الإصلاحية المؤقتة، ليست عنواناً للتغيير والخلاص أبـداً؛ في حالتنا وحياتنا البحرينية. وإن الذي ينقصنا حقاً هي المشاريع الإصلاحية العادلة والجذرية، والتي تتطلب منا الخطوات الواضحة والحقيقية.. وأيضاً من الإرادة والقرار والظروف المؤاتية؛ من أجل تسميتها، وبكل جدارة، بالمصالحة التاريخية، ونتمنى أن تكون هذه الرؤية؛ عنواناً جامعاً ومشتركاً بيننا كبحرينيين. وإن الآمال الكبيرة – وأيضاً التحـديات الكبيرة – هي الإختبار والمسؤولية والصيغة؛ في بناء وتحديد مستقبل البحرين والبحرينيين.


