المثقف والنرجسية

0
49

إن مصطلح النرجسية دقيق وشائك، وحتى وقتنا الحاضر لم يستطع عالم تحديده في تعريف محدد واضح، فحتى الآن ظهرت عدة تعريفات له.

في مقالٍ سابق ذكرنا أن النرجسية هي حبّ الذات وهي سمة للشخصية لدى جميع الأفراد ولكن بدرجات متباينة؛ فمنهم من يمتلكها بدرجات قليلة، فالفرق هنا في الدرجة وليس في النوع.

في بحثها “النرجسية وعشق الذات”، تشير الباحثة سهام شباط ، إلى أن الشخصية النرجسية تشعر بالعظمة وحب الذات وبأنها شخصية نادرة الوجود وإنها نوع فريد لم يخلق مثله في العالم، لا يفهمها إلا نوع خاص من الناس ينتظر الاحترام والتقدير الخاص لشخصه وسلوكه وافعاله من قبل الآخرين، شخص استغلالي، مستفز ابتزازي، وصولي يستفيد من مزايا الآخرين ليرتفع على اكتافهم، غيور، مُنظر من الدرجة الأولى، يتكلم عن أمجاده وأفكاره دون أن يطلب منه أحد، معتز بشكله وجماله وأناقته، مريض بجنون العظمة في كل ما يفعل، متمركز حول الذات، يستميت للحصول على المنافع لتحقيق أهدافه الشخصية، متطرف في افكاره لدرجه الخطورة؛ طبعًا لمصلحته الذاتية “أنا وبعدي الطوفان”، وعند  الحديث عن المثقفين والنرجسية لا نبالغ إذا قلنا أن تضخم “الأنا” أزمة المثقف الحقيقية، وهو ما يتوقف عنده الباحث طاهر الزراعي، وغيره من الباحثين والمهتمين.

فالمثقف الواعي، وفق منظوره، هو الذي يؤسس له هوية تستحوذ على اهتمام الآخر، متجاوزًا حالات كثيرة من النرجسية التي تعتبر سلوكًا استعلائيًا قلما ينهض بالمفهوم الحقيقي للثقافة الحية، لأن الثقافة ارشيف مدلولي لذات المثقف تتمخض من خلال مفاهيمه السلوكية المتأصلة في ذاكرته كإرث وجودي يدلل على انصهاره في واقع المجتمع، لتأسيس مرحلة نموذجية لدى كل من يعتبر الثقافة صورةً مغايرةً لفكر المثقفين. تضخم “الأنا” للمثقف سلوك نفسي مزمن له مسبباته وعوارضه الشخصية التي ابتلت به، تأخذ حاجتها من المديح والإعجاب وترفض كل من يحاول نقدها أو مزاحمتها ، ما يشكل انعكاسًا سلبيًا يجرد الثقافة من ابسط حقوقها ومن ادق شموليتها، وفي اعتقاده أن هذا نتاج حالة متورمة – إن صح التعبير- فرضتها ذاكرة إقصائية مورست بحق من يتصف بهذا المفهوم، إن ” شخصية الأنا المتضخمة ” تأخذ سلوكها من نسقيه الشخصية النرجسية بكل تعاليها، ومن الشخصية التسلطية بانفعالها واندفاعها، وتأخذه أيضًا من تصوراتها الشخصية الاحتوائية التي تسعى لأن تبهر الآخر بطريقة التوائية بعيدة عن صيغة الخطاب الثقافي والذي بدوره يؤسس لمعالجة اخطاء الهوية ( هوية المثقف) ، وعدم انحيازه لسلوكياته وممارساته التي تجعله يسلع ثقافته عبر مد جسور خاطئة تكشف تصرفاته..والتي قد يسقطها الآخر على ثقافة بيئته.

وإذا كان هناك من يرى أن بعض مثقفينا يعيش أزمة وعي حينما يضخمون ( الأنا) ويحصرون ثقافتهم في حبّ التملك والإشباع الثقافي وإسقاط رأي الآخرين، فإن ما يجب أن ندركه هو أن مفهوم ( قوة الأنا) يختلف اختلافًا كليًا عن مفهوم ( تضخم الأنا)؛ فالمفهوم الأول ينتج لنا مثقفًا حقيقيًا تنويريًا أو ما يسميه الباحث محمد أركون بـ ( المثقف النقدي) الذي يتناول ثقافته من خلال نقد النصوص متجاوزًا كل نمطيات الأنا المتضخمة و انعكاساتها على الواقع، أما ( الأنا المتضخمة) فهي تسعى بطبعها إلى نفي الآخر وعدم الاعتراف به وفرض الهيمنة والفوقية والتعالي عليه، ما يفقد الثقافة قيمتها التي نراهن عليها كمحصلة مستقبلية.

للمفكر الراحل إسحاق الشيخ يعقوب مقال نُشر بجريدة ” الأيام ” البحرينية في يوليو 2019, تحت عنوان “المثقفون فئة” يذكر فيه: تتميز نبتة فئة المثقفين عن شرائح المجتمع بخصائص عدم الثبات والتلون والتذبذب وتورم الذات والتجذر النرجسي والإدعاء والتبجح الصلف والتوفر والتأزم، وهذه صفات لا يجوز اطلاقها على جميع المثقفين بقضهم وقضيضهم، ففي ذلك من التجني وعدم الدقة، وإنما هي صفة شائعة تلاحق أرتالها في دهاليز انشطتهم الفكرية والإبداعية والفلسفية وحيثما كانوا وأناخوا ركابهم ! .

إن صفة “الأنا” والأنانية المستمدة من أنانية النفس هي افرازات كريهة روائحها، تفوح بين لفائف قروح الأورام الذاتية، وقد يتلمسها كل لبيب مهما حاول هذا المثقف أو الشاعر أو الأديب أو الفنان اخفاءها والتمظهر بالتواضع وإنكار الذات والإيحاء الكاذب بالإلمام بالمعارف والعلوم الفلسفية ونوادر الخصوصيات ونوبات المواهب التي تلم به أثنا الحالات الإبداعية؛ أكان شعرًا أم نثرًا أم إخراجًا فنيًا وما إلى ذلك في الحياة الفنية.

إن اشكالية المثقف تتمثل في اشكالية نرجسيته وهو ما ترتبط بتفاهة التركيبة النوعية لهذا المثقف أو ذاك!

عندما يسقط المثقف في براثن النرجسية يسقط في عيون الأغلبية، يقول الفنان التشكيلي العراقي نبيل تومي: “كان وما يزال الطموح والحلم، النجاح والتألق، النجومية والنخبوية، المحاكاة الاجتماعية، الموقع السياسي، الغني المادي، القائد الكبير، السياسي البارز، الشاعر النخبوي، الفنان المغمور، المهني، المخترع المصمم اللامع.. إلخ كلها من الأمور الشرعية والتي هي أساس التقدم لسائر البشر ولا يوجد من يعارض أو يعترض أخلاقيًا البتة مع رغبة الأفراد في النجاح.. ولكن حسبي من أن البعض أو ربما الكثير من الناجحين والمرموقين في مختلف المجالات يصابون بمرض داء العظمة أو (الإفراط في النرجسية)”.