كانت أيامًا مفعمة بالألم والحزن، ثقيلة الوطء، حين كنت أزور الصحفية بروين نصر الله في مجمع السلمانية الطبي، وأزور أختي نادية في مستشفى آخر في الوقت نفسه. والمفارقة أنّ بين رحيل أختي ورحيل بروين تسعة عشر يومًا فقط. جاء الفقد مضاعفًا، لا أعرف كيف أتعامل معه.
أيام ثقيلة توهم نفسك أنها تمضي؛ تذهب وتجيء، تقضي متطلبات يومك الأساسية والضرورية، وتظن أنك صلب وقوي وهادئ جدًا، بينما جسدك يعرف ويختبر شيئًا آخر تمامًا.
في يوم وفاة أبي قبل عام ونصف، جاءني اتصال صباحي عند السابعة. هرعت على إثره إلى مستشفى السلام، وهناك هالني المشهد: جميع أفراد العائلة، جميع الأولاد والأحفاد، أبناء العمومة والخؤولة. لا تكاد تصدق ما تراه، فقط تشعر برهبته وجسامته. همست لنفسي: لماذا لا أرى كل هذا الجمع في لحظات الفرح والرخاء؟ سؤال استعصى عليّ جوابه.
كانت أمي تبكي بحرقة وبصوت عالٍ، والبقية جميعهم يجهشون بالبكاء، وحدي كنت الصامتة الهادئة. هدوء غريب نزل عليّ، لكن بعد شهر من وفاة أبي، وخلال جلسة عميقة مع إحدى الصديقات، بكيت كما لم أبكِ في حياتي. ثم، مع مضي الوقت شيئًا فشيئًا، بدأت أتقبل حقيقة غياب أبي وأتعايش معها، وإن بقيت أحاديثه وذكراه حاضرة داخلي.
للمفارقة الثانية، في صباح الخامس من أغسطس 2025، رنّ الهاتف في الوقت نفسه: السابعة صباحًا. أعادني الرنين مباشرة إلى صباح الثاني والعشرين من فبراير 2024. أدرك جسدي بالفطرة أن أمرًا جللًا قد وقع. وقبل أن أخمّن شيئًا، جاءني ابني، تبادلنا النظرات، وقبل أن يتكلم احتضنته وأنا أبكي. هرعنا جميعًا إلى بيتها. فعادت إليّ اللحظات ذاتها، وحضرني المشهد نفسه حين فُجعنا بوفاة أبي، مع بعض الاختلاف. ها هو الفقد يجمعنا قسرًا مرة أخرى: أفراد العائلة، الجيران، الأصدقاء المقرّبون، كما في رحيل أبي.
في هذا الفقد بكيت بحرقة. أتراني أدركت عميقًا معنى الفقد؟ أم لأن الفقد أصبح الآن فقدين؟ يرحلون، لكن مشاعر فقدك لا تنتهي برحيلهم؛ بل تراودك على هيئة صور وحكايات، ومواقف وأمكنة جمعتك بهم، تتذكر أحاديث لم تُقل، لم تصلهم . وأحداث ومواقف تمنيت لو عاشوها معك، لكن الموت حال بينك وبين تحقيق تلك الرغبة. مشاعر الفقد ستظل ترافقك في قولك، في صمتك، في كل تفاصيل يومك. طيفهم سيظل حاضرا دائمًا أمامك، لا يغادر مقلتيك. مشاعر الفقد تبقى معك أيّامًا وليالٍ طوالًا، بل كل ما تبقى لك من عمرك.


