شاب في دوامة قسوة الحياة

0
75

(قصة قصيرة)


في يوم من أيام الشتاء البارد في احدى أزقة منطقة النعيم صبية يلهون في لعب الكرات البلورية الصغيرة (التيلة) وكان بين الصبية شاب قصير نحيف البنية يدعى أحمد، يبذل جهداً. يحاول الكسب في اللعب مثله مثل الآخرين من رفاقه، رغم أنه كثيراً ما يخفق الا أنه كثيراً ما يصيب بسبب عزمه واصراره على التحدي.

منذ صغره يتوق إلى الفوز في أي لعبة وخصوصاً لعبة الحبل، فهو بارع فيها بلا منازع وبجدارة كونه نحيفاً يستطيع المرور من تحت الحبل بسهولة مهما كان هبوط الحبل فهو أنحف شاب في عموم منطقة النعيم لدرجة أنه يتعرض للسخرية بسبب ضآلة جسده الملفت وفي هذه اللعبة لا ينافسه أحد بشهادة كل أبناء المنطقة كباراً وصغاراً.

في أوائل الستينات من القرن الماضي يمرّ أحمد ابن الخامسة عشر بضائقة مالية جعلته في حيرة من أمره، حيث صار تفكيره متأرجحاً بين الدراسة والعمل، وبينما هو في دوامة الاختيار استقرّ على مواصلة الدراسة والعمل في فترة ما بعد الدراسة، بعد أن وجد عملاً في ورشة نجارة لصنع الأثاث، بحكم أنه سبق وأن تعلّم النجارة مع خاله، ووفق في الشروع في العمل لمدة تقارب العام، حيث أغلقت الورشة لأزمة مالية عصفت بصاحب الورشة، رغم أنه قطع شوطاً رائعاً وتعلّم الكثير، الأمر الذي شجعه على الدراسة.

اتخذ ّ قراراً آخر لأنه مصر على إكمال تعليمه فأخذ طريق بائع متجول، وصار فترة يبيع “الحلاوة” والفول السوادني، حيث يقوم بتحميصه في البيت ثم  صار يبيع “حلاوة” كانت رائجة آنذاك تسمى (عنبري)، وهي عبارة عن ديك من الحلاوة القاسية ترتكز على عود خشبي طويل ومن ثم قام ببيع الشراب الشعبي (النامليت)، المحبب لدى الكثير من الأطفال، لكن البعض من الصبية استغل الإقبال والتدافع وقت البيع ويتنصلوا من الدفع زاعمين انهم دفعوا وسط الفوضى والضجيج مستغلين لعبة رهان على (طاش ماطاش)، فكثيراً ما يخسر ويعود للبيت مكسوراً وحزيناً، وفي الليل أثناء النوم يبكي بينه وتفسه، لا يريد أحداً يعرف أنه يبكي، فقد تقلب في طرق ووسائل لكي يكسب بعض المال ويشتري الكتب لأنه يحب قراءة الروايات كثيراً، فانعكس هذا على نفسيته، وتساءل بينه وذاته: لماذا يقوم نفر من زملاء المدرسة بسرقتي؟ لماذا؟؟ لأنه يتعب حينما يشتري النامليت من وسط المنامة وهو ذو بنية ضعيفة ويأتي البعض ليسرقه.

وسط هذه السنين التي عانى فيها أحمد كماً من القسوة، كبر وراودته فكرة تعلم السياقة بعد أن بلغ السابعة عشرة من عمره، لكنه أراد أن يضمن عملاً أولاً، فكّر ملياً واستقرّ ذهنه أن يلتحق بالدراسة في مدرسة المنامة الصناعية وفعلاً دخل مدرسة الصناعة والتحق بقسم اللحام والفبركة والسباكة وتخرج في مرتبة الرابع عشر.

وبعد معاناة في البحث عن عمل وجد عملاً في “بابكو”، من خلال شركة أحمد منصور العالي لمدة تقارب عامين وسبعة أشهر. بعدها تقلب في الكثير من الشركات بعضها سرح بعد إضرابات لتعديل وتصحيح أوضاع العمال المعيشية بعد موجة الغلاء التي تجتاح السوق في أحيان مستمرة، فقد انقلب وضعه المعيشي واتسمت حياته رهن الأوضاع التي تساور أكثر الشباب العمال التواقين  للاستقرار المعيشي والنفسي، وصار مثله مثل أي شاب تعرض للعسف والاضطهاد، ما دفعه لأن يتطلع لأمور الحياة بطريقة جادة وواسعة وساقه الفضول لأن يتوسع في القراءة وينتقل بصورة عفوية وطبيعية من قراءة القصص والروايات إلى الكتب الثقافية ليتعلم ما الذي يدور حوله وصار يتجمع مع رفاقه من العمال ويستمع إلى النقاش الذي يدور عما يجري في الكواليس السياسية، عن اضطهاد الشركات للعمال والغرض من تسريح العمالة الوطنية واستبدالها بعمالة أجنبية، وذلك لرخصها وسهولة فرض قوانين تناسب العمالة الأجنبية، حيث لا يستطيع العمال الاحتجاج حتى لو تعرضوا للاضطهاد والتعسف.

أصبح أحمد شاباً مثقفاً متفهماً، لا يفارق الكتاب ولا المنتديات، وصار واحداً من أعمدة العائلة في المسؤولية، وأصبح متسماً بالهدوء والصرامة والنباهة، حيث الهمته القراءة الكثير من العلم والمعرفة الثقافية يستمع وينهم المعارف من الذين سبقوه في هذه الدروب وأصبح مواظباً على قراءة الدراسات والنشرات العمالية وناشطاً في الحركة العمالية ومواظباً على العمل النقابي في الشركات التي يعمل فيها.