هكذا وبقوّة لا مثيل لها لم يكتفِ البحرينيون بالصمت بل رسموا لوحة بحرية بمداد الوفاء.
واللوحة هي الصمود، فلم تكن تلك مجرد سفن محمّلة بالمعونات؛ بل كانت أشرعة من الشجاعة رفعتها أرواح عظيمة آمنت أن الإنسانية لا تعرف الحدود.. في أسطول الصمود العالمي لم يسجّل اسم البحرين في قائمة الدول المترددة بل سجِّل بأحرف من نور في سجل الأبطال.. هذا الفخر صنعه ثلّة من أبنائها الأوفياء الذين لم يكتفوا بـالشغف النبيل بل قرروا تحويله إلى فعل إبحارٍ جسور ليثبتوا أن صوت الشعب أقوى من كل حصار.
انطلقت هذه المبادرة كصرخة شعبية بحرينية عارمة جسدت في نخبة آثرت المضي في طريق الخطر على الركون إلى الصمت.. كان الوفد البحريني نواة مضيئة اختزلت أصوات الملايين:
سلوى محمد جابر التي حملت معها إرثا عائليا ضاربا في النضال هي المرأة التي أبت إلا أن تكون سفيرة الإرادة البحرينية فتحولت من ناشطة إلى أيقونة.
وإلى جانبها سار رفيقا الدرب محمد عبدالله وسامي عبد العزيز اللذان استمرا في المسيرة ليثبتا أن التضامن مع المستضعفين ليس مجرد شعار بل قرار حياة، كما ضمّت المجموعة عزما أوليا من أسماء مثل نوف سبت وبدر النعيمي في إشارة إلى أن هذا الحراك كان جماعياً بطبعه يمثل جوهر النخوة البحرينية.
كانت هذه الكوكبة بمثابة سفراء الوجدان الوطني الذين أثبتوا أن جسر التواصل مع غزة يبنيه الصدق لا الجغرافيا.
لم يكن دافع الإبحار تجاريا أو سياحيا بل كان عهدا أخلاقيا مغلفا بالرياح.. كانت حمولة السفن لا تقتصر على المواد الإغاثية بل على فيض من الحب والمسؤولية تجاه شعب يتضور جوعا تحت ويلات الحصار.. لقد جسدت مشاركتهم
تحدي الحدود الصامتة كانت رحلتهم بمثابة تكسير لأغلال الصمت التي فرضت على العالم وإظهار أن الشجاعة تتجسد فيمن يرفضون أن تتجمد مشاعرهم أمام مشاهد الإبادة.
رسالة الرفض.. هي ترجمة عملية وعلنية لـرفض شعبي قاطع لأي شكل من أشكال التطبيع أو التعايش مع الظلم وتأكيد على أن بوصلة البحرين الأخلاقية ثابتة نحو فلسطين.
سارت السفينة وهي تمخر عباب البحر كـرسالة حية لكن مسار التضحية نادراً ما يكون سهلاً. ففي إحدى محطات الإبحار تعرض القارب الذي يقل سلوى جابر لـعطل فني قاهر اضطرها إلى التوقف القسري في إيطاليا. وبعد أسابيع من محاولات الإحياء الفاشلة كان عليها أن تعود لكنها عادت بجسدها تاركة روحها مع الأسطول.
كانت عودة سلوى مشهدًا بطولياً؛ فقد استقبلت استقبال الفاتحين مؤكدين لها أن النية الصادقة قد بلغت مرساها وأن شرف المحاولة والوفاء بالقضية يعادل شرف الوصول.
في المقابل استمرّّ رفيقاها محمد عبدالله وسامي عبد العزيز في الرحلة وبلوغ الهدف.. وعلى الرغم من مصيرهما الذي انتهى لاحقا بالاحتجاز فقد أثبتا أن البحرينيين سلالة من الشجعان الذين لا يرتدّون أمام التهديد مجسدين أعلى مراتب التضحية باسم الإنسانية.
لقد تحوّل هذا الأسطول من مجرد مبادرة إغاثية إلى أسطورة شعبية كتبها البحرينيون بـماء البحر والوفاء لتصبح دليلاً ساطعاً على أن الضمير لا يحتجز وأن رسائل الصمود ستصل حتماً عبر أمواج الروح.


