المعلم ولغز العقاب

0
24

إضاءات من تجربتي الشخصية

هل يمكن القول بأن التشريعات المانعة للعقاب البدني والتأديب الجسدي للطلبة على اختلاف مراحلهم الدراسية وتباين سلوكياتهم بمن فيهم ذوو الحركة المفرطة أو المشاغبون قد حققت الموازنة العادلة بين حماية كرامة التلميذ وضمان انضباط البيئة التعليمية وهل هي فعلاً منصفة لرسالة التعليم وسدنة المعرفة في مملكة البحرين؟

في ظلال التحولات التربوية المعاصرة التي تنشد صون كرامة الطفولة وحقوقها الفطرية يتصاعد هذا التساؤل الجوهري الذي لا ينفك صداه يتردد في أرجاء قاعات الدرس، وخاصة في البحرين..فبينما تمثل التشريعات المانعة للعقاب البدني نقلةً حضاريةً رائدةً يظل لغز توازنها بين حماية الطالب المعني وبين هموم سدنة المعرفة (المعلمين) معلقاً لا يجد حسمًا شافيًا في سؤال يتخلق من تلقاء نفسه..هل يمكن القول بإن هذه القوانين قد أنصفت رسالة التعليم والمعلمين في مملكة البحرين؟

قبل الخوض في محاولة الإجابة اسمحوا لي أن أستضيء بومضات من تجربتي الشخصية المؤلمة التي لا ريب أنها تحمل في طياتها بعضًا من بذور الحقيقة التي نبحث عنها.. فإني أجد نفسي عند مفترق طرق أمام مفارقة تربوية عسيرة بين صرامة نظام قديم استنفد أغراضه ومرونة نظام جديد لم تثبت بعد كل دعائمه

لم تكن تجربتي كطفلة كثيرة الحركة في المراحل الابتدائية سهلة خاصة في زمن كان مصطلح اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يفسر على أنه مجرد شغب أو قلة أدب. أذكر جيدًا كيف أن الرحمة كانت غائبة في التعامل فكان الضرب بالمسطرة وأحيانًا بحدها الحديدي القاسي هو الرد الأول والأخير.. لم يكن العقاب جسديًا فقط بل كان يمتد إلى تقليل الدرجات والطرد من الحصة دون وجه حق.

كانت محاولتي الدفاع عن نفسي بسبب التقاط ممحاة سقطت أو قلم، تقابل بمزيد من القسوة.. الأسوأ من ذلك كان التفرقة العلنية فصديقاتي ذوات الشعر “الناعم” كن يستحقن المشاركة في نشاطات مثل “الزهرات” بينما كنت أنا أستبعد.. بل وصل الأمر إلى الملاحقة اللفظية حيث كانت كل حركة أو كلمة مني تنقل لزوجة أخي المعلمة في نفس المدرسة في شكوى لا تنتهي مما حوّل المدرسة إلى ساحة ضغط بدلاً من كونها ملاذًا للعلم والأمان.. هذه التجربة القاسية التي عشتها تركت جروحًا في النفس يصعب شفاؤها وجعلتني أؤمن بأهمية القوانين الحامية.

اليوم ونحن نحيي يوم المعلم ونستذكر منارات العطاء السامقة يتجدد السؤال الجوهري بحدة..هل هذه القوانين الحديثة قد أنصفت العلم والمعلمين وقبلهما الطالب فعلاً؟

لا شك أن هذه القوانين تمثل ضرورةً ملحةً فهي بالنسبة للطالب بمثابة درع واق يحمي جيلًا كاملًا من التعنيف ويضمن حقهم الأصيل في بيئة تعليمية آمنة نفسيًا وجسديًا.. هذا التحول هو بحق تطور حضاري وإنساني لا رجعة فيه يرسخ مبدأ التعلم بكرامة واحترام.

اما من منظور المعلم، فنعم لقد وضعت هذه القوانين المعلم أمام تحد تربوي مستجد وعميق.. ففي غياب أدوات التأديب التقليدية صار لزامًا على المعلم أن يكون مربيًا وإداريًا لا يقتصر دوره على مجرد ملقن للمعلومة، وبرأيي هنا تكمن عقدة الإنصاف..ومن تلك العقدة يتخلق السؤال التالي: هل تمّ تدريب المعلمين على أصول وتقنيات إدارة الصف الحديثة التي تعتمد على الانضباط الإيجابي كبديل عن استخدام العقاب؟

هل وفرت الأنظمة الدعم الكافي لهم للتعامل بفاعلية مع تحديات سلوك الطلبة الأكثر صعوبةً؟

إنّ الحل الأمثل لبلورة هذا الإنصاف يكمن في إرساء الشراكة العادلة والمسؤولة.. فبقدر ما يجب أن نكفل حماية أطفالنا بالقوانين الصارمة يجب أن ندعم معلمينا بالثلاثية الجوهرية.. التدريب المتقدم والأدوات المساندة والتقدير المستحق.

وفي مملكة البحرين كما في الكثير من الأنظمة التعليمية المتطورة هناك توجه واضح نحو النهج التكاملي الذي يركز على التعليم الإيجابي ومهارات القرن الحادي والعشرين.. وتعدّ المبادرات الإيجابية التي تهدف إلى دعم المعلم وتوفير الأدوات اللازمة للتعامل مع الفروق الفردية للطلبة (بما في ذلك حالات فرط الحركة وقلة الانتباه) بأساليب تربوية سليمة هي المسار الحقيقي الذي ينصف الطرفين معاً.. الطالب الذي يتعلم بكرامة مصونة والمعلم الذي يؤدي رسالته باحترافية ورحمة.

وفي يوم المعلم أجدني امام رسالة لا بد وأن اوجهها ..ليست رسالة بالمعنى بل هي دعوة ..دعوة صادقة إلى المسؤولية الشاملة.. لا يمكن للأنظمة التربوية أن تكتمل دون امتزاج الرحمة بالعدالة.. نحتاج إلى معلم لديه من الحكمة والصبر ما يجعله يتعامل مع طفل كثير الحركة بحنان وتوجيه بدلًا من الضرب وإلى قوانين تضمن له دعمًا نفسيًا وإداريًا فوريًا حتى لا يشعر بالعجز أو الإرهاق.

فقط حينها سنكون قد انتقلنا حقًا من جروح الماضي إلى نور المستقبل الواعد.