مبادرات التوظيف القاصرة

0
67

انشغال الرأي العام البحريني خلال أسابيع شهر اكتوبر المنصرم  بقضية البطالة والتوظيف في البحرين، لم يأت من فراغ، نظراً لما تحتله هذه القضية من أولوية قصوى لدى كل الأسر البحرينية دون استثناء، فضلاً عن العاطلين انفسهم، فقد بقيت قضية مؤرقة للجميع تقريباً، ودون حلول جذرية حتى اللحظة، حيث اكتفت السلطة التنفيذية بملامستها عبر تصريحات دعائية وأرقام ونسب سرعان ما تتجاوزها تداعيات معضلة البطالة، ولم تستطع أن تصمد أمام تضخم غول البطالة في وجوه شبابنا الباحث عن فرصته وشيئ من أمل مفقود تتقاذفه احيانا كثيرة غياب منهجية رسمية واضحة وعملية، وسطوة وحظوة امواج بشرية من العمالة المهاجرة قادمة لسوق العمل لدينا بشكل اقل ما يقال عنه إنه فوضوي، في مقابل اقتصاد وطني  أضحى شبه عاجز عن انتاج فرص عمل حقيقية ونوعية لأبناء الوطن، كتلك التي وعدت بها رؤية البحرين 2030 والتي أطلقت منذ اكتوبر من العام 2008 .

لم تفلح هذه الرؤية في وجوه عديدة حتى الآن من إقناع الشارع البحريني  والعاطلين والخريجين وغيرهم، على أنها قادرة على تحقيق ما وعدت به من عدالة وتنافسية واستدامة، وهي الأهداف التي كانت العناوين الأبرز للرؤية منذ اطلاقها.  لقد غابت الفرص النوعية وتغيّرت ملامح وهيكلية اقتصادنا الوطني الذي كان منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت منتجاً وولّاداً للفرص النوعية ذات الأجور المقبولة حينها، حيث تمّ تأسيس العديد من الشركات الكبرى حينها، التي كان عنوان إنشاءها يشي  بالتوجه نحو  تقليص الاعتماد على النفط بالنسبة لمداخيل الدولة، والاتجاه لتنويع القاعدة الاقتصادية حيث تسهم تلك الشركات في إضفاء  قيمة مضافة وعوائد مجزية لخزينة الدولة، ووظائف تستوعب أبناء البلد.

لقد ضاعت بالفعل هيكلية الاقتصاد الوطني، وسط زخم ما سمي بالاقتصاد الجديد، حتى بات علينا أحيانا أن نفاخر باستقطاب بعض الاستثمارات الاجنبية التي تستفيد من موقع ومميزات البحرين التنافسية في مقابل فرص عمل محدودة جداً، تعدّ على أصابع اليد الواحدة للبحرينيين، فيما يتمّ توظيف المئات واحيانا الألاف من العمالة الأجنبية التي تستمر في تحويلاتها المالية دون أن تقدم شيئاً يذكر لاقتصادنا الوطني، يزيدها تغوّلاً إلغاء مواد تعزز مسار بحرنة الوظائف ومنها “المادة 110” من قانون العمل منذ سنوات، حيث فتحت أبواب سوق عملنا لأعداد لا طاقة لنا بها ودون مبررات موضوعية. 

إنّ ما يطرح الآن من مبادرات خجولة للتعاطي مع معضلة البطالة في البحرين، وحتى لا نشك في بعض تلك الجهود والنوايا، لا يمكن أن يصمد أمام كل ما حدث من تشوهات واضحة للعيان في اقتصادنا وسوق عملنا البحريني المتضخم بعمالة اجنبية تتجاوز ال 600 ألف أجنبي في القطاعين العام والخاص في مقابل ما مجموعه 150 ألف بحريني، يضاف إلى ذلك ما أحدثته التحولات الاقتصادية من تغيير يكاد يصل حدّ التشوه في هيكلية الاقتصاد الذي بات عاجزاً عن إقناع الجميع تقريباً بقدرته على إفراز وظائف نوعية وبأجور مقبولة!

نستطيع أن نقول أيضاً إن ما أعلن مؤخراً  حول مبادرة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بعرض ثلاث وظائف على كل باحث عن عمل حتى نهاية شهر ديسمبر القادم، لا يمكن أن يساهم للأسف بفاعلية في تقليص أعداد العاطلين في البحرين، ببساطة لأن الشركات القادرة على المساعدة فعلاً في إيجاد وظائف هي ذاتها لم تقدم إلا فرص محدودة جداً لدعم المبادرة، لا تتناسب وحجم معضلة البطالة لدينا، فضلاً عن أن الكثير من العاطلين يشتكون منذ اليوم الأول لإعلان المبادرة، أنهم لا يستطيعون الدخول على بعض  المواقع التي أعلنت عن وجود شواغر، نظراً لاستكمال العدد بحسب الردود الواردة على تلك المواقع!.

هنا ايضا يجدر التذكير بأن شركات كبرى بعينها استمرّت في فصل البحرينيين وإحلال عمالة مهاجرة مكانهم، بالتوازي مع إعلان المبادرة، كما يصل إلينا من قبل بعض النقابات العمالية والمفصولين انفسهم!

لا يمكن لنا بمثل هذه المنهجية أن نحدث اختراقاً حقيقياً في معضلة البطالة من دون قرارات سياسية عليا تحسم التعاطي مع هذه القضية المؤرقة بصورة ناجعة، عبر مشروع إحلال لعمالتنا الوطنية، ولتكن البداية المتدرجة  على الأقل عبر بعض التخصصات والمهن التي تتضخم فيها العمالة الأجنبية بصورة غير منطقية، علاوة على ضرورة أن نعمل بشكل جاد ومدروس لإجراء تغييرات جوهرية وجذرية ومعالجات اجتماعية وحتى ثقافية في طبيعة التعاطي مع حجم وأدوار العمالة المهاجرة وتحديد المجالات والتخصصات التي يحتاجها سوق العمل لدينا بالفعل، وتوجيه الشباب نحو مهن وتخصصات مهمة بإمكانها أن تستوعب أعداداً كبيرة، وبما يكفل استقرار السوق، ودعم عمالتنا الوطنية وتعزيز تنافسيتها  بشكلٍ عادل  يتوخى كل الحذر من تداعيات ترك الأوضاع على ما هي عليه الآن.