معرض الخط والزخرفة الإسلاميَّة: تذكيرٌ بجلال الموروث العربي وتعزيزٌ لحضور الإبداع البحريني

0
22

خِلالَ مرحلة زمنيَّةٍ توحَّشَ فيها زحفُ الآلة على الإبداع البشري لطردِه واحتلال مكانه؛ يُمكن اعتبار كُل بادرةٍ تُسهِم في بقاء هذا الإبداع على قيد الحياة مُحاوَلَة لإنقاذ ما تبقَّى من روح الجمال على وجه الأرض، ولا شك أن كُل فعاليَّة تملك الجُرأة الإبداعيَّة لمُقاومة تيَّار اليأس والاستسهال في هذا المجال أشبهُ بدفقة أكسجين ثمينة تُنعش رِئة الفن والثقافة البصريَّة، فهل كان معرض “الخط العربي والزخرفة الإسلاميَّة” الذي استضافتهُ غرفة تجارة وصِناعة البحرين أواخر سبتمبر 2025م شمعةٌ أسهَمَت في تغذية قلوب عُشَّاق هذا الإبداع بنور الأمَل والحماسَة؟

الخط العربيُّ فنٌ يتسمُ بالدقة والأناقة اللذانِ يُرافقان انعكاس روح الفنَّان وخياله الشاسِع على النص المرسوم بإتقان، ذاك الانعكاس المُنبثق عن موهبةٍ إلهيَّة وعِناقٌ بين مشاعر الفنَّان وثقافته الفرديَّة المُتراكِمة؛ ما يجعل من السحر الكامن في تلك الخطوط عصيًا على التقليد مهما انتشرت آلات الطباعة والخطوط المُكررة المُخزَّنة في برامج الحواسِب الآليَّة، عدا عن كونه موروثًا ثقافيًا وعلامة من علامات الهويَّة العربيَّة وبصمة من بصماتها الحضاريَّة الرَّاقية التي تستحق الحماية والاستمرار، لا سيَّما وأن تاريخ تطوّر فن الخط عبر العصور ارتبطَ بمهام رفيعة الشأن دينيًا وسياسيًا؛ بدءًا من كتابة المصاحِف وزخرفة العمارة الإسلاميَّة، مرورًا بمُراسلات الملوك والأمراء والوزراء وبكتابة الأوسِمة والتعيينات والدواوين الحكوميَّة، وصولاً إلى تدوين الكُتُب والمخطوطات القيِّمة في عهودٍ مضَت.. ورُغم هيمنة الخطوط  المُتداولة التي تطبعها الآلات على تفاصيل الحياة اليوميَّة للبشَر، وتضاؤل استخدام الخط المرسوم بيد الإنسان نتيجة زحف التدوين الإلكتروني والمُراسلات عبر فضاء العالم الافتراضي، إلا أن العين والقلب مازالا يتفقان على الوقوع في أسرِ لحظة انبهارهما بخطٍ يدويٍ جميل سواء كان يوجه رسالة جماهيريَّة على لوحة إعلانٍ ضخمة أو رسالةٍ فرديَّةٍ خاصَّة على قصاصة ورقٍ صغيرة.

المعرض الذي افتُتحَ بحضور السيد/ خالد عبدالله نجيبي النائب الأوَّل لرئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين، وكان يستهدف ترسيخ وجود فن الخط العربي في المشهد الفني البحريني لم يكتفِ بإحياء جماليَّات هذا الفن التشكيلي؛ بل ساهم في تعزيز المكانة المعنويَّة للثقافة الإسلاميَّة في المُجتمع بتلك اللوحات التي خُطَّت عليها الآيات القُرآنيَّة الكريمة بأساليب فنيَّة نجَحَت في شرح معاني تلكَ الآيات بنظرةٍ واحِدة، والتذكير بجلال الموروث الأدبي العربي باللوحات التي قدَّمت للجمهور أبياتٍ شعريَّة وأمثال عربيَّة خالِدة في قالبٍ فنيٍ مُتفرّد يُنعش في ذاكرة الأجيال عنفوانها بحضارة الفكرِ والجمال على 35 عملٍ فنيٍ من إبداع 18 فنان تشكيلي منهم: عبد الشهيد خمدن، بدر العالي، علي يوسف أحمدي، محمد عبدالحسن النشيمي، نوح عيسى السعيد، ياسر ضيف، علي البزّاز، حيدر علي، محمود الملا، حسين فتيل، سيد سعيد علوي، محمد رضا وآخرون.

عصرٌ يسحقُ ما تبقى من انسانيَّة المُجتمعات المُضطرَّة لتعطيل طاقاتها الإبداعيَّة وتجاهُلها لاستهلاكِ وقتها في العمل لتوفير لُقمة العيش، زمنٌ صار فيه الإنسان فريسة ضخٍ مُستمرٍ من موجات غسيل الدماغ عبر أجهزة الاتصال الذكيَّة ليغدو البشر آلات إنتاج مُتماثلة دون مواهب أو قُدرة على التفكير الحقيقي والاختيار والابتكار، وقتٌ كهذا من أشد الأوقات حاجة لإنقاذ عقول البشر بنشر الفن الذي يُذكرهم أنهم مازالوا مخلوقاتٍ إلهيَّة قادرة على صُنع الإبداع.