أبناء الوطن بُنَاتُه

0
89

القرار بتوفير ثلاث فرص وظيفية لكلّ باحث عن عمل قبل نهاية العام، وإن بدا خطوة إيجابية لتسريع التوظيف وعلاجًا لمعضلة البطالة التي سكنت كل بيت، إلا أنه يكشف معضلة أعمق تتعلق بآلية خلق الوظائف لا بعددها. التحدي الحقيقي لا يكمن في عرض فرص عمل كلما صدرت توجيهات جديدة، بل في بناء سوق عمل ولّاد للفرص من خلال منظومة فعالة تربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وتُحِل الكفاءات الوطنية في مواقع إنتاجية حقيقية.

ما يجري اليوم يمكن وصفه بمرحلة “الاستجابة السريعة” للأزمة، بينما تحتاج البحرين إلى الانتقال نحو “التوطين الموجَّه” الذي يربط التشغيل بالقطاعات ذات الأولوية، أو تلك التي تتكدس فيها البطالة في مقابل سيطرة العمالة الأجنبية.

حين ننظر عبر الجسر، نجد التجربة السعودية تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحوّل. فقد بدأت المملكة مؤخرًا في رفع نسب التوطين في المهن الصحية لتصل إلى 80% في التغذية والعلاج الطبيعي، و70% في المختبرات، و65% في الأشعة، مع تحديد حد أدنى للأجور يضمن احترام المهنة واستدامة الكفاءات الوطنية. هذه السياسات لا تخلق وظائف فحسب، بل تعيد هندسة سوق العمل من الداخل وتربط النمو الاقتصادي بمساهمة المواطن.

بدل التركيز على البحث عن شركات لتوفير عروض وظيفية آنية – والتي غالبًا ما تتحول إلى دعاية مؤقتة – ينبغي التوجه إلى هندسة سوق العمل عبر تحديد نسب توطين ملزمة في قطاعات محددة، مدعومة بحوافز مالية وبرامج تدريب وتأهيل تضمن الاستدامة. الهدف ليس ملء الشواغر، بل تشكيل بنية اقتصادية قائمة على الكفاءات الوطنية.

يحتاج سوق العمل في البحرين إلى سياسة إحلال تدريجية ومنظمة تحدد نسبًا واضحة لتوظيف المواطنين في كل قطاع اقتصادي، بحيث تتزايد هذه النسب مع الوقت وفقًا لقدرات السوق ومخرجات التعليم. كما ينبغي ربط الدعم الحكومي المقدم للمؤسسات بمدى التزامها بهذه النسب، في المؤسسات التي تفتح المجال للكوادر الوطنية وتحافظ على توظيفها تستحق الحوافز، بينما تلك التي تتهرب من الإحلال يجب أن تتحمل مسؤوليتها الاقتصادية. في غياب مثل هذه السياسة سيبقى الفجوة قائمة بين التعليم وسوق العمل، وبين طموحات الشباب وفرصهم الفعلية، مما يعني أن الاقتصاد سينمو من دون أن يشارك أبناؤه في صناعته.