” أريد أن أجدد نفسي كل يوم ! ” ….في أهمية الإرث الصحفي لغرامشي

0
184

في الأول من يناير عام 1916، فاجأ أنطونيو غرامشي قرّاء عموده الصحفي في جريدة “إلى الأمام” بإعلان طريف للغاية: “أكره رأس السنة. أريد لكل يوم أن يكون بمثابة رأس سنة جديدة بالنسبة لي. في كل صباح أريد أن أراجع نفسي، وفي كل صباح أريد أن أكون إنسانًا جديدًا !.. أكره تلك الاحتفالات ذات المواعيد الثابتة كرأس السنة، والتي تحوّل حياتنا إلى ما يشبه المشروع التجاري بكل ما يتطلبه ذلك من إجراء كشف حساب سنوي بما سبق وبإعداد خطة الميزانية للعام الجديد!”.

أشار غرامشي في مقالته إلى أن هناك تواريخ عديدة تحفل بها روزنامة التاريخ: مثل بدء التاريخ الروماني، أو بداية القرون الوسطى، أو بداية العصر الحديث وغيرها، “ولكنها تواريخ تجعلنا نتوهم بأن حياة البشرية تبدأ من جديد بعد هذا التاريخ أو ذاك، وكأنها تعبر جبالاً تلو الجبال، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما، فمسار التاريخ لا ينقطع، ولا يتوقف عند تاريخ محدد، بل هو في صيرورة مستمرة وبلا وقفات مفاجئة”. نتيجة لهذه القناعة فإن غرامشي اقترح منظورا جديدا لحياته: “أريد أن أبتكر وأجدد نفسي كل يوم.. وأن أختار لحظات راحتي بحرية بعد قيامي بإنجاز مهام عملي بكل النشاط والحيوية التي أتمتع بها. أريد لكل ساعة من حياتي أن تكون جديدة، وأن تواصل إبداع ما سبقها من ساعات. لا أريد احتفالات ذات إيقاع إجباري، فقط لأن أسلافنا قاموا بذلك!”. هذه الروح اللعوب المحبّة للحياة عكست تحوّلاً جذرياً في نفسية شاب كان قبل بضعة شهور فقط يعيش اكتئابا حاداً، ومرضاً لم يترك له حتى فرصة مواصلة دراسته الجامعية بشكل طبيعي كبقية الطلاب.

يجمع الكثير من المؤرخين على أن غرامشي أعاد “ابتكار” نفسه عبر الانخراط بنشاط في صفوف الشبيبة التابعة للحزب الاشتراكي الإيطالي، وكانت الكتابة الصحفية هي ما ساعده بالتحديد في اكتشاف المعنى الجديد لحياته، وإنقاذه من هاوية اليأس التي وقع فيها. بيد أنها لم تكن كتابة “حيادية” على الإطلاق، بل كانت منذ البداية تعبيراً عن انحيازه الواضح لمصالح الكادحين والمهمشين في المجتمع، وأسلوبه المميز في التعبير عن هذا الانحياز، كما عبر عنه في مقالة شهيرة نشرها في فبراير 1917 عنونها ب “اللامبالون”: “أعتقد أن اتخاذ موقف هو ما يجعل الانسان مواطنا حياً، لأن اللامبالاة تعني أن تكون متطفلاً، وجباناً، وكسولاً. إنها الموت بعينه. لذلك أكره اللامباليين…. لطالما لعبت اللامبالاة دورا سلبياً في التاريخ، وكونها قائمة على عدم اتخاذ أي موقف، هو ما يجعل دورها مٌضراً على وجه التحديد. إن ما يجعل الشر قادراً على الإضرار بالجميع، مردَهُ إلى أن الغالبية تتخلى عن إرادتها في مقاومته، وهذا ما يٌمكِنه من سن قوانين لا يمكن إلغائها إلا بالثورة … في ظل سيادة حالة اللامبالاة في المجتمع، تعمل أيادي الشر في الخفاء وتنسج خيوط مصائره، فيما يغلق غالبية أفراد المجتمع عيونهم غير آبهين بما يحدث. أما حين تحل الكارثة فسيتم النظر إليها وكأنها مصيبة طبيعية (ثورة بركان أو زلزال) حلت على الجميع بلا استثناء، المبالي وغير المبالي، فالكل سيصبح ضحية. البعض سيتذمر، والبعض الآخر سيلعن، ولكن القليل من سيملك الجرأة ويسأل نفسه: لو قمت بدوري وكافحت ضد ذلك فهل كان ما حدث سيحدث؟ .. لذلك أُعلن بأنني إنسان حي، وذو موقف، وأكره اللامباليين!”. هذا الموقف تجاه حالة اللامبالاة ستكون له استحقاقات عملية بالنسبة لغرامشي، فما يقوله سيطبقه على نفسه، إذ ساهم بنشاط في أنشطة “اتحاد الشباب الاشتراكي”: “إن الانضمام إلى حركة ما يعني تحمل جزء من مسؤولية الأحداث المقبلة”، كما ذكر في إحدى مقالاته.

نشط بشكل ملحوظ في مجال توعية العمال عبر اجتماعات التثقيف التي كان الاتحاد ينظمها لهم آنذاك. حاضَر لهم مثلا عن الثورة الفرنسية وانتفاضة العمال في كومونة باريس. بعد سنين سيتذكر غرامشي بحب أجواء تلك الاجتماعات “والشعور بالثقة الذي كان ينبع من كوننا رفاقاً، ومن مشاركتنا لنفس الأفكار والشغف الثوري بتغيير العالم…كانت تلك الحميمية هي مصدر قوتنا وتماسكنا بوجه أصعب الظروف.” على الرغم من أهمية تلك الأنشطة التي تندرج ضمن العمل الجماهيري لغرامشي، إلا أن نشاطه الأساسي وشغفه كان مرتبطا بعالم الصحافة الثورية، ومنذ البداية رفض أية إغراءات تدفعه للتخلي عن مبادئه من أجل مهنته.

كتب غرامشي: “لم أكن في يوم من الأيام صحفيا يبيع قلمه لمن يدفع أكثر، ويكون لزاما عليه أن يزيف باستمرار، وكأن الكذب جزء من كفاءته المهنية. لطالما كنت صحفيا حراً، أتمسك دائما برأي واحد، ولم أضطر إلى إخفاء قناعاتي إرضاء لبعض السادة.” في إحدى رسائله كتب: “أنا ثوري ذو نهج عملي بحت (أي مهتم بالجوانب التطبيقية للأفكار وليس التنظير المجرد) … أنا انسان قابل للتصحيح والإقناع”. في كتاباته انصهرت شخصية المناضل السياسي بالكاتب الصحفي إلى درجة يستحيل فصل بعضهما عن بعض، كما كان هاجس التفكير الفلسفي بداخله محفزا لكتابته الصحفية وفق ما ذكر لاحقا: ” كل شيء مهم أقرأه يدفعني إلى التفكير: كيف يمكنني أن أكتب مقالة حول هذا الموضوع؟”.

وفّر له نشاطه الصحفي استقراراً مادياً مكّنه من مواصلة حياته في مدينة تورين الإيطالية. كان راتبه من جريدة “النظام الجديد” لسان حال الحزب الاشتراكي الإيطالي حوالي 1200 ليرة شهرياً وهو مبلغ جيد بمعايير تلك الأيام. حوالي الساعة الثانية أو الثالثة بعد الظهر من كل يوم كان يغادر غرفته الصغيرة متجها لمبنى الصحيفة التي كانت تصدر بحوالي 45 ألف نسخة. أدار غرامشي فريقاً صغيراً مكوّناً من ستة محررين، وثلاثة مراسلين وخمس سكرتيرات. عٌرف عنه حدّة طباعه وغضبه من أي خطأ بالعمل وفق ما ذكره رفاقه بالعمل لاحقاً. كان دقيقا للغاية في عمله ولا يتحمل أي إهمال أو ضعف في صياغة المقالات. قال عنه أحد رفاقه بأنه كان يشتط غضباً حين يكتشف خطأً في التصحيح اللغوي: “هل هذه جريدة أم كيس بطاطا!! كيف سنؤثر بالجماهير إذا كان هذا مستوانا!”. كان يعمل أربعة عشر ساعة متواصلة يومياً ولا يتوقف إلا لتناول وجبة عشاء بسيطة، ولا يترك مكتب الجريدة إلا في ساعات الصباح الأولى حين تفتح مقاهي الشوارع أبوابها للإفطار.

اتسمت مقالاته الصحفية بالوضوح، وصفاء اللغة والعمق الفكري، كما اشتهرت مقالاته الثقافية النقدية بجمعها بين السخرية والفكاهة مع النقد الهادف. كان يكره الزخرفة والتنميق في الألفاظ والاستعراضات اللغوية التي تخفي خواء المعنى. غالباً ما كان يلجأ لمنهج الفيلسوف الإغريقي سقراط في طرح سؤال ثم يتبعه بسلسة أسئلة أعمق حتى يصل الى جوهر الإشكالية التي يريد معالجتها في المقال. حسب وصف أحد معاصريه فإن غرامشي قد نفخ روحاً جديدة في صحافة اليسار وجعلها أقرب إلى فهم الكادحين. كان قلمه الصحفي قادراً على تكثيف المعنى بصورة مدهشة فعلا.  ها هو مثلا يلخص العلاقة المنشودة بين الفن والسياسة بقوله: “الفن مُعلِمْ من حيث هو فن لا من حيث هو فن مُعلِمْ!”، وهي مقولة كان محمود درويش يحب تكرارها كلما استجد نقاش حول علاقة الأدب بالسياسة.

إلى هذه الفترة من حياته يمكن تعقب حكاية إعجابه بمقولة شهيرة للروائي الفرنسي رومان رولان والتي أصبحت لاحقا تنسب لغرامشي. في التاسع عشر من مارس 1920، نشر ” رولان مقالاً في جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي “لومانيتيه”، امتدح فيها أحد الكتّاب الفرنسيين الاشتراكين (ريمون لوفيفر) قائلاً: “ما يثير اعتزازي في شخصيته هو تلك الوحدة الحميمية التي تمثل بالنسبة لي معيار الإنسان الحق، الوحدة بين تشاؤم العقل القادر على تبديد كل الأوهام، مع تفاؤل الإرادة. إنه نوع من الشجاعة التي لا توجد إلا في النفوس الخيّرة والنادرة من البشر ….نعم إنه ذلك الانسان القادر على الضحك حتى في خضم أشد المعارك ضراوة، لأنه يتسامى بنبل على الإحباط، والشكوك المثبطة للعزيمة، ولأنّ حبه وحماسه للحياة أصدق تعبير عن مقاومته للموت”. التقط غرامشي بنباهة الصحفي الذكي أهم ما جاء في مقالة رومان، وكثّف المقولة لتصبح: “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة” وذلك في مقالة نشرها بعد بضعة أسابيع (حيث نسب المقولة بأمانة لرومان رولان)، وكررها لاحقا في العديد من الرسائل والمقالات لترسخ في أذهان القراء على أنها مقولة غرامشي الخالدة. 

 في إحدى رسائله الأخيرة من السجن أشار غرامشي إلى أنه خلال عشر سنوات من عمله الصحفي، كتب ما يمكن أن يملأ حوالي عشرين مجلدا بحجم 400 صفحة لكل مجلد. ناهزت مقالاته الصحفية الألف، وغالبا ما تمّ توقيعها بأسماء مستعارة أو رموز مثل (ألفا غاما) وغيرها. حتى الآن وكل بضعة سنين يتمّ الكشف عن مقالات جديدة تنسب إليه من قبل دارسي سيرته. أشار العديد من دارسي غرامشي الى الدور التأسيسي الذي لعبه نشاطه الصحفي في بلورة أطروحاته الأساسية التي كتبها لاحقا في “دفاتر السجن”، وخاصة فيما يختص بفهم آليات الهيمنة للطبقة السائدة. اعتبر غرامشي الصحافة بمثابة “الجزء الأكثر ديناميكية في ماكينة الهيمنة للطبقة السائدة” التي توجه وعي الرأي العام، وشبّه تلك الماكينة الضخمة بالقلعة المحصنة ضد أي فكر ثوري يسعى للتغيير. لذلك دعا القوى الثورية إلى ابتكار وسائلها الفعالة لاختراق تلك القلعة، وإبداع صحافة يسارية جديدة سماها “الصحافة المتكاملة” التي تلعب دور الناشط السياسي، والمٌعلم الثقافي، والمُحلل العلمي للأحداث.

 تجدر ملاحظة أن انخراط غرامشي في الكتابة الصحفية في صفوف الحزب الاشتراكي الايطالي قد تزامن مع أحداث تاريخية كبرى ساهمت في تجذير مواقفه السياسية، وبالتحديد تداعيات الحرب العالمية الأولى، وانتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا القيصرية، وكلاهما دفعا باتجاه سلسلة من الانشقاقات داخل الأحزاب الاشتراكية في العالم ما بين اتجاه اصلاحي، وآخر ثوري استلهم انتصارات البلاشفة في روسيا. سرعان ما وجد غرامشي نفسه في مخاض تسارع الأحداث السياسية ودوامة الانشقاقات الداخلية التي استنزفت قوى اليسار الإيطالي في ظلّ تصاعد وتيرة العنف في الحياة السياسية، وبروز الفاشية كقوّة استطاعت الإمساك بزمام السلطة في إيطاليا، لتبدأ بعدها مرحلة مظلمة ستكلف غرامشي حياته في نهاية المطاف.