حين غادر مجموعة من أبناء البحرين أرضهم ليلتحقوا مع غيرهم من مختلف دول العالم بأسطول الصمود المتجه للإبحار نحو غزة، لا كمسافرين عاديين، بل كسفراء للضمير الحي، حملوا معهم خبزاً ودواءً، لكنهم قبل ذلك كانوا يحملون رسالة وهى أن البحرين، برغم صغرها الجغرافي، كبيرة بمواقفها الإنسانية.
إبحارهم مع آخرين من مختلف دول العالم فعل رمزي بقدر ما هو واقعي، انتقال من الصمت إلى الصوت، ومن التعاطف إلى التضامن العملي، ففي زمن امتلأ بالشعارات والبيانات، يختارون هم أن يجعلوا البحر جسراً للأمل. لم يحملوا في حقائبهم سوى قلوب نابضة بالحب والروح الإنسانية والضمير الحي، وأرواح مؤمنة بأن التضامن لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال، وان كل أشكال التوحش بالطول والعرض الذى يرتكبه الكيان المحتل مرفوضة، وان الاتهامات بمعاداة السامية التى كان يوجّهها هذا الكيان لمن ينتقده او يعترض على سياساته وممارساته وهمجيته لم تعد تنطلي على احد .
هى رحلة ليست كباقي الرحلات؛ فهؤلاء المواطنون البحرينيون ومن معهم لم يسافروا بحثاً عن مغامرة، بل مضوا في طريق محفوف بالتحديات ليقولوا للعالم: نحن مع غزة بقلوبنا وأيدينا وأفعالنا، وأن “أسطول الصمود” وإن كانت سفنه تحمل مساعدات إنسانية، لكنها قبل ذلك تحمل رسالة أعمق: رسالة إنسانية تُذكّر بأن في زمن القسوة هناك من لا يزال يملك رحمة، وبأن في زمن الصمت هناك من يجرؤ على رفع الصوت، وأن سفن الأسطول لا تحمل فقط خبزاً ودواءً، بل تحمل أملاً يتجدد، بأن التضامن الإنساني لا يزال قائماً، وأن هناك أناساً فى منطقتنا العربية والعالم لم يفقدوا إنسانيتهم، وكم هى مفارقة حين ينبح ذلك العنصري بن غفير ليصفهم بالإرهابيين، ويتوعدهم رغم علمه بأنهم نشطاء مدنيون لايحملون سلاحاً ولا يريدون حرباً، فقط يحملون أدوية وأطعمة لشعب غزة المحاصر والمنكوب ظلماً وعدواناً.
بهذا الموقف، أرسل المشاركون البحرينيون مع غيرهم من مختلف الدول، نبضاً جديداً للحياة، وقالوا لأطفال وأهالي غزّة: لسنا بعيدين عنكم، نحن معكم، نراكم، نشعر بوجعكم، ونؤمن بأنّ الظلم لا يدوم، وما ذلك إلا موقف يضاف إلى مواقف ووقفات تضامنية تعبر عن وقوف شعب البحرين المساند لغزة، والداعم للقضية الفلسطينية، والرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
تلك المشاركة ليست مجرد حدث عابر في دفتر الاحداث، بل سطر مضيء في تاريخ البحرين، وصفحة تضاف إلى سيرة خالدة لشعب البحرين الذي أثبت أن القيم لا تحتاج إلى شعارات كبيرة، بل إلى أقدام تمضي في الطريق الصعب، وقلوب لا تخشى المخاطر، وفي الوجدان يقين أن البحر، مهما اتسع، لن يكون أعرض من جدار التضامن، ولا أعمق من الإيمان بالحق، وبكل ثقة نقول أن هؤلاء البحرينيين جسدوا وجهًا مضيئًا من وجوه شعب البحرين، وأثبتوا أن الضمير البحريني كان وسيبقى حاضرًا في كل ميدانٍ يختبر إنسانيتنا.
إن إبحارهم ليس رحلة، بل رسالة: إن العدل لا يُحاصر، والأمل يمكن أن يشق طريقه حتى وسط العواصف. كل موجة تدفعهم إلى الأمام تردد أن غزة ليست وحدها، وأن هناك من يجرؤ على تحويل المشاعر إلى أفعال، فالإبحار ليس مجرد انتقال عبر الماء، بل عبور رمزي من الصمت إلى الموقف، ومن الكلام إلى العمل، وان التضامن الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بما نحمله في أيدينا وقلوبنا إلى من هم في أمسّ الحاجة، وعلينا ان نتذكر على الدوام الحرية والكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالصمود والإيمان بالقضية، كما علينا ان نتذكر أن البحرين، رغم صغر مساحتها، تتسع قلوبها لكل قضايا الأمة العربية، وكل قضايا الحرية والإنسانية، وكل المواقف المناهضة للكيان المحتل والصهيونية ولكل أوجه التطبيع مع هذا الكيان .
كم نحن مدينون لمن شاركوا من أهل البحرين وكل الذين معهم من دول عربية وأجنبية اخرى، بالشكر والعرفان فقد قاموا بما ينبغي علينا ان نفعله، أديتم واجبكم، وبذلتم ما بوسعكم، وأوصلتم الرسالة المطلوبة للعالم، فشكراً من الأعماق لكم .



:أستاذي خليل
ليتك تهتم بوضع الفواصل بين الجُمَل
.في مكانها الصحيح، ليتضح المعنى للقارئ البسيط أكثر
Comments are closed.