غزةّ مدينةٌ تشتهرُ بعماراتِها العاليةِ التي يسميها أهلُها “الأبراج” كانت هذه الجملةُ سطرًا من درسٍ عن غزة في منهاجٍ اللغة العربية الفلسطيني، كنّا نقرِئ فيه الطلاب بفخرٍ حكايا مملكتِهم الضاربةِ جذورُها في التاريخ الذي خطّت فيه غزةُ سطورَ عزّةٍ ومنعةٍ عبر قرونٍ من الحضارة الممتدة إلى اليوم… عرَفْنا غزةَ بصورِها العامرةِ، واكتظاظِها السكاني الرهيب، وجلبةِ أسواقها، وضجيج شوارعها، لكنّ الدمار العارم استباح كل ملامحها، وغزا الذاكرة التي احتفظت ببعض لقطات للبيوت الجميلة والعشوائية، وللأحياء الراقية، والأزقة الشعبية، لم نتخيل لحظة فيها أننا سنشهدُ زلزالًا لا نهاية له، ولا حدّ لموجاته الارتدادية، تنهارُ معه الأبراج، وتتكسّر فيه الأحلام، ويستحيل كلّ شيء إلى رمادٍ، تفقد معه المدينة روحَها وبهاءها وأبناءها.
واليوم – في ذروة العملية العسكرية الموجّهة نحو مدينة غزة- تطلق المملكة الكنعانية العنيدة نداءها الأخير للعالم، هذا النداء الذي ليس ينقذها فيه أحد، لكنه رغبةُ المهزوم بالبقاء، وأملُ الضعيفِ الذي ينتظر نصرةً لا تأتي، فقد شهد العالم كله هجومًا غير مسبوق على قطاع غزة طيلة سنتين، دون أن يتحرك بشكل جديّ وعاجل لإيقاف الإبادة الجماعية لكل معالم الحياة في غزة.
واليوم نعلن نحن -أبناءها البارّين- بقاءنا الخاسر في المدينة حتى آخر حجر فيها، باقون في غزة التي تحتمي بنا، ونحتمي بها، باقون والجيش يأكل أطرافها، ويحفر القبر لقلبها، نحرس المدينة بالأقدام الثابتة، وبالعيون الساهرة، وبالرموش الذابلة… باقون نواجه بأكفٍّ عارية جبروتًا ليس يصدّه شيء، وليس يمنعه عنّا إلا دعاؤنا الدائم بالسلامة والأمان في أوطاننا… نرتعد -كل ثانية- خيفة وقلقًا وألمًا من الهجوم البربري الذي يمتد إلينا في كل لحظة وحين، نكرر زفرات التعب والألم واللوعة، ونكابدُ الدمار والحصار -الذي صار لنا خبرة واسعة معه- فقد كنا شهودًا على نكبة شمال غزة التي حضرناها بكل تفاصيلها دون أن نتخلف يومًا واحدًا، بدءًا من الأحزمة النارية، والقذائف المدفعية التي اجتاحت كل القطاع، مرورًا بالبراميل المتفجرة في مخيم جباليا التي نجونا منها بالعناية الإلهية الخارقة، وانتهاءً بالروبوتات أو العربات المدرعة المحملة بأطنان المتفجرات في مدينة غزة التي تنزعُ مع كل تفجير قلوبنا من موضعها، ثم تعيدها مرة أخرى…
تنقطع الكهرباء، ويتوقف الإنترنت، ولا نعلم بما يحدث حولنا سوى ما نلتقطه من إشارات المذياع، فنستمع هازئين إلى خطابات الشجب والإنكار التي لا تضع العرب أمام مسؤولياتهم القومية في إنهاء الحرب على غزة، ولا تحرّك الشعوب للضغط على الحكومات، أو دفعهم لمؤازرة حقيقية توقف العدوان على إخوانهم. تصلنا بيانات الدول التي تعترف بفلسطين دولةً، فنشكو أنها لا ترتقي إلى التطبيق العملي، فهي لا توقف الإبادة الجماعية ولا تمنع التهجير القسري لمليوني فلسطيني في مدينة فلسطينية… تبثّ الإذاعات الإسرائيلية التي تصل موجتها إلينا -دون تشويش- خطابات نتنياهو الذي يعيد تكرار ما حفظناه: “إنهاء الحرب متوقف على القضاء على حماس، ونزع سلاحها، وتسليم المخطوفين”، فنعيش حالة أخرى من التأهب الممزوج بالحذر، فنحن العُزّل المدنيون وحدنا في المدينة، لا وجود لمسلّحين ولا مطلوبين ولا مختطفين، تصول الدبابات وتجول في أحياء مدينة غزة، تتقدم وتتراجع وتراوغ بكامل خفتها دون أن يعترضها أحد، وهذا أكبر دليل على تحقق المطلبين الأول والثاني! تتكرر كلمة “تسليم المختطفين” في المذياع، فيصرخ جارنا ابن حي الصبرة العصيّ على التهجير: “يا ريت بعرف مكانهم وأسلمهم”، أردّ بصوتٍ خفيض: “من منّا يعرف ولا يريد”، نودّ جميعًا الخلاص من ورطة لم يكن لنا فيها يدٌ، وبذلك يتحقق المطلب الثالث أو يكاد يُدفَع بحراك سياسيّ تتحقق فيه الصفقة المرجوّة…
نتساءل ماذا يمنع الجيش -بعد كل هذه الاقتحامات، وكل التدمير والتخريب- من أن يعلن سقوط المدينة؟ لا تبرير لكل الجرائم سوى رغبته النرجسية الملحة في التعذيب النفسي والجسدي للفلسطينيين الباقين، وحاجته السيكوباتية لتبرير القتل والتدمير؟! وما بين الواقع والخيال، وبين الهتافات والتصريحات، وبين الصمت والخذلان، نعلن نحن -الباقين في المدينة، الشهود على ضياعها- خسارتنا لغزة، لا يأسًا ولا تشاؤمًا، بل واقعًا مفروضًا نغض الطرف عنه بأملنا المهزوم، ويصمت الساسة عن حقيقته لمصالحهم الشخصية، وآفاقهم الضيّقة. وللحديث بقية، وللشهود رواياتهم، ما لم تمتد إليهم الأيادي الغادرة.


