خطة ترامب انحياز لصالح إسرائيل

0
70

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته المؤلفة من عشرين نقطة لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة، سعى إلى تسويقها كإنجاز سياسي تاريخي، ولكن بين بنودها العامة ومصطلحاتها الغامضة، سرعان ما ظهر أن هذه الخطة لا تحمل للفلسطينيين سوى إعادة إنتاج للوضع الراهن، وتُقصيهم من تقرير المصير، في مقابل مكاسب واضحة لإسرائيل.

ويشير تحليل نُشر على موقع “شبكة الصحافة الفلسطينية” إلى أن الخطة تتضمن دعوات لوقف إطلاق النار، واستئناف دور الأمم المتحدة في إيصالها المساعدات، وبدء مفاوضات حول “دولة فلسطينية مستقلة”. لكن هذه البنود تبدو أقرب إلى شعارات سياسية من كونها التزامات فعلية.

فالمقترح، كما يذكر، لم يقدّم جدولًا زمنيًا ملزمًا، ولم يحدّد أي آليات لضمان رفع الحصار أو وقف الاستيطان، وهو ما يعني أن غزّة ستظل في وضع شبيه بما قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023: هدنة هشة بلا ضمانات أو رفع للحصار.

أما ملف إعادة الإعمار، فقد جرى تقديمه ضمن مقاربة شبيهة بما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي، أي مشاريع خارجية تحت إشراف دولي – غربي من دون دور للفلسطينيين. وهنا تكمن خطورة الخطة: تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة ابتزاز سياسي، بدلًا من كونها حقًا أساسيًا لضحايا الحرب.

في حين أن أبرز عيوب الخطة استبعادها شبه الكامل للسلطة الفلسطينية، رغم كونها الجهة المعترف بها دوليًا. أما حركة حماس وفصائل المقاومة، فقد فُرضت عليها شروط قاسية: نزع السلاح، مغادرة القطاع، والتخلي عن أي دور سياسي. وبذلك، تخلق الخطة فراغًا سياسيًا متعمّدًا يتيح لإسرائيل وحلفائها إدارة غزّة وفق منظور أمني بحت، من دون أي شريك فلسطيني حقيقي.

بموازاة ذلك فإن تكليف توني بلير بالإشراف على الخطة يزيد من الشبهات، إذ لا يزال سجله في الشرق الأوسط محاطًا بالجدل بسبب دوره في غزو العراق. فالنتيجة المتوقعة هي وصاية أجنبية جديدة على غزّة، بدلًا من الاعتراف بها كجزء من وطن فلسطيني مستقل.

الخطة لا تُخاطب الفلسطينيين كشعب صاحب حق في تقرير مصيره، بل كجماعة بحاجة إلى إدارة دولية لأوضاعها. فكرة “مجلس السلام” أو “قوة استقرار دولية” بقيادة ترامب وبلير تعني ببساطة إزاحة الفلسطينيين عن دائرة القرار، وتحويل غزّة إلى منطقة تخضع لترتيبات أمنية واقتصادية من الخارج.

وهذا يتناقض تمامًا مع مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

ويرى مراقبون أن إعطاء ترامب للمقاومة ثلاثة أو أربعة أيام فقط للرد على الخطة يُظهر طبيعتها الإملائية. فالخيار الوحيد أمام الحركة كان إما القبول بشروط مجحفة أو مواجهة تهديد بمواصلة الحرب الإسرائيلية، وهو ما يحوّل الخطة إلى إنذار أكثر من كونها مبادرة سلام.

رغم أن بعض الدول العربية رحبت بالجهود الأمريكية، إلا أن تقارير كشفت عن صدمتها من التغييرات الأخيرة التي انحازت لصالح إسرائيل قبل إعلان النص النهائي. هذا الأمر يكشف أن التأييد العربي لا يتجاوز الرغبة في تهدئة الموقف وحماية الاستقرار الداخلي، أكثر من كونه دعمًا حقيقيًا لحقوق الفلسطينيين.

إذ على أرض الواقع، تحقق الحكومة الإسرائيلية معظم أهدافها: الإفراج عن الرهائن، نزع سلاح حماس، وضمان استمرار السيطرة الأمنية على غزّة. في المقابل، لم يحصل الفلسطينيون سوى على وعود غامضة بإعادة إعمار، وحديث فضفاض عن ” دولة ” لم تُحدد معالمها ولا توقيت قيامها.

الأخطر أن نتنياهو، وفق تقديرات محللين إسرائيليين، قد يستغل الخطة لإضاعة الوقت وتخفيف الضغوط الدولية، من دون نية حقيقية لتطبيقها. فهو قادر على إعلان “القبول” بينما يواصل الاحتلال والاستيطان، ليبقى الفلسطينيون أسرى واقع خانق بلا أفق سياسي.

والخلاصة أنه بدلًا من فتح الطريق أمام تسوية عادلة، تكرّس خطة ترامب أجواء الغموض وتعيد إنتاج فشل أوسلو وخارطة الطريق وصفقة القرن السابقة. فهي مبادرة بلا ضمانات، بلا تمثيل فلسطيني، وبلا معالجة لجذور الصراع لتتحول إلى مجرد محاولة لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم أمن إسرائيل ويمنح بعض الأنظمة العربية غطاءً مؤقتًا أمام شعوبها.

وعليه يمكن القول إن الفلسطينيين لا يواجهون هنا “فرصة سلام” بل نسخة جديدة من المسرحيات السياسية التي تُقدَّم لهم منذ عقود، وتُبقي حلم الدولة الفلسطينية معلقًا في الهواء، بلا سيادة وبلا أرض.

إن خطة ترامب، على حد تعبير المحلل السياسي الفلسطيني مازن الجعبري، ليست مجرد مبادرة لوقف إطلاق النار، بل حلقة جديدة في مشروع سياسي أوسع يستهدف إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني والإقليمي بما يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة. فهذه التحولات وما تكشفه من محاولات لإعادة تموضع إقليمي وتراجع في الدور الفلسطيني الرسمي، تؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تفاصيل الخطة ذاتها، بل في استمرار غياب المشروع الوطني الموحد القادر على مواجهتها.

ما دام هذا المشهد المعقّد، يثبت الواقع عدم الاتفاق على مشروع وطني تحرري جامع سيحكم على الموقف الفلسطيني بالضعف وتعميق الانقسام.

لذلك فإن المطلب الفلسطيني الملح اليوم هو إعادة بناء الإجماع الوطني على استراتيجية موحدة، تحوّل لحظة التنفس هذه إلى خطوة على طريق التحرر الحقيقي، بعيدًا عن الوهم الذي تبيعه صفقات ترامب المؤقتة.

ولكي يتحول الفلسطينيون من مجرد متلقٍّ للأزمات إلى فاعلٍ يصنع مستقبله، لا بد لهذا المشروع الشامل يعمل على عدة جبهات متوازية، تعزيز السردية الفلسطينية العادلة التي تؤكد على الحقوق التاريخية والشرعية، واستمرار تعزيز التضامن العالمي الذي يشكل رافعة سياسية وأخلاقية، والسعي الدؤوب لعزل إسرائيل دوليًا وكشف طبيعتها كدولة إحتلال عنصرية، وملاحقة مجرمي الحرب قضائيًا في كل المحافل الدولية لكسر شوكة الإفلات من العقاب.

وبعبارة أخرى، تقول صحيفة “الاتحاد” الفلسطينية: “إن نهاية الحرب لن تتحقق ولن تصبح واقعًا حقيقيًا ما لم تتوفر إرادة فلسطينية جامعة وعربية ودولية تضع حدًا لمنطق القوة والحرب، وتعيد تعريف الاستقرار على أساس العدالة والحقوق المشروعة. وأول المطالَبين باعتماد سلوك سياسي مسؤول يرتقي إلى حجم الكارثة هم “أصحاب الشأن الأوائل”، ونقصد القوى السياسية الفلسطينية التي يجب أن تجتمع تحت سقف وهدف وطني واحد”.

كاتب بحريني وعضو التقدمي