لم تعد المرأة الريفية التقليدية التي تقطن هي وعائلتها في بيئةٍ ريفية وتعيش على دخل متحصل من البر أو البحر كما هو متعارف عليه، موجودة راهناً، وربما تكون قد اختفت من المشهد البحريني تماماً منذ أكثر من 70 عاماً. تلك المرأة كانت الحاضر الغائب في الندوة التي أقيمت بتاريخ 15 أكتوبر الماضي، تزامناً مع الاحتفال العالمي بيوم المرأة الريفية بتنظيم من جمعية مبادرات البحرين الأهلية بالتعاون مع جمعية الاجتماعيين البحرينية. اذن فلقد تحلقنا جميعاً حول امرأة غير موجودة، وقد تكون غير متخيلة بالنسبة لكثيرٍ من الحضور، لذا اختارت أغلب الأوراق الحديث عن ماضي المرأة الريفية البحرينية ونضالها وكفاحها.
ناقشت ورقة أمينة الفردان، الباحثة في علم الاجتماع والانثروبولوجيا، في ورقتها المختصرة معنى المصطلح ذاته، واستنتجت أن مسمى القرية في الحالة البحرينية لا يمكن تطبيقه سوسيولوجياً. فالبحرين اليوم وبالنظر إلى حجمها لا تعدو كونها جزيرة صغيرة، وقد زحف العمران والتطورات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية على كل مناطقها، وأما مسمى المرأة القروية فلا رصيد له من الواقع وفق الحالة البحرينية التي نحن عليها اليوم، إذ بلغت من التعليم والتمكين ما حملها على مغادرة كل ما له صلة بذلك الماضي البعيد. وحتى مسمى القرية ذاته لا يتم ذكره على اللافتات التعريفية التي تحدد جغرافية امتداد المناطق البحرينية من الداخل.
وذهبت ورقة نهى حسن إلى ذلك اليوم الذي تأسست فيه جمعية فتاة الريف عام 1972 من أجل تمكين المرأة وافساح الطريق لها لدخول المدرسة وتلقي العلم، وكيف واجهت تلك الجمعية الكثير من التحديات، وتعرض مقرّها للحرق والتكسير والاعتداءات من قبل رجال الدين والعائلات المتشددة، رغم ذلك استطاعت أن تصمد وتحقق اختراقاً في القرى الشديدة المحافظة في ذلك الوقت. وتطرقت ورقة الناشطة زينب الدرازي إلى المهن العديدة التي مارستها المرأة القروية وساهمت في مساعدة أسرتها معيشياً واقتصادياً، وقالت المحامية هنادي الجودر إنّ هناك مهنا شاقة وكانت حكراً على الرجال فحسب، لكن المرأة القروية خاضتها ونجحت فيها كالصيد وغيره.
وعلى عكس أغلب أوراق الحضور التي أكدت على انتفاء وجود امرأة قروية، قالت الناشطة التربوية عضو المجلس التنفيذي الدولية للتربية (اتحاد نقابات المعلمين في العالم ) جليلة السلمان إنّ هناك نساء قرويات قابعات في أماكن نائية وبعيدة متوارية يعانين العوز والفقر ويحتجن إلى الانتشال من أوضاعهن ومنحهن فرصاً للتمكين الاقتصادي والتدريب المهني في أماكنهن وبيوتهن كي لا يقتصر التمكين على نساء المدن فحسب..
المناسبة الأممية التي أقرّتها الأمم المتحدة عام 2007 احتفالاً واحتفاءً بالمرأة الريفية ترمي إلى تسليط الضوء على إسهامات هذه المرأة التي تشكّل نسبة كبيرة من القوى العاملة الزراعية في البلدان النامية، كما تهدف إلى تمكين المرأة الريفية ومساواتها بالرجل ورصد احتياجاتها ومكافحة فقرها ولتحقيق تنمية زراعية مستدامة وأمن غذائي في وقتٍ يشهد فيه العالم تراجع المساحات الخضراء والتغيّر المناخي المنذر بالكوارث البيئية. وعلى مدى سنوات انخرطت دول العالم في الاحتفال بهذه المناسبة، وتمّ رصد الميزانيات لتمكين المرأة الريفية وعرض منتجاتها وتسهيل وتذليل الصعاب من أجل إنشاء المشاريع الاستثمارية الخاصة بها في حقل الزراعة والصيد ودمجها في دورة الاقتصاد والتنمية، فرفع مستوى المرأة الريفية يقع في صلب سبعة عشر هدفاً للتنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة لإنقاذ العالم من الجوع والفقر والمرض والتصحر.
ولقد لعبت المرأة الريفية البحرينية في الماضي دوراً مهمّاً في تسيير دورة الاقتصاد خارج البيت وداخله، ولقد امتازت بالاعتماد على النفس وحسن التدبر والتوفير واستغلال كل ما هو متاح بين يديها من موارد ومهارات وتوظيفه في تسيير الحياة المعيشية الصعبة في تلك الأيام، وفي توسيع الدخل المالي للعائلة بكل الوسائل، وكان بيتها وحدة انتاجية متكاملة، خاطت ملابسها وملابس أبنائها وعائلتها، ومع أن بيتها كان صغيراً وضيقاً لكن تمّ استغلال كل ركنٍ فيه. هنا لا كراكيب ولا سلع استهلاكية مكدّسة ولا ملابس فائضة عن الحاجة. لا شغّالات ولا مربيّات، انما أبناء وبنات يشتركون جميعاً في إدارة المنزل ويشتغلون جميعاً على كلّ ما من شأنه ان يحقق مزيداً من الاستقرار المعيشي لكافة أفراد الأسرة .
سنحتاج دوما إلى إبداع تلك المرأة الحريصة والمدبرة التي تمرّست في الحقول الزراعية وغاصت في البر والبحر وتحدت شظف العيش، وأجادت صنع ما هو متوفر بين يديها من مواد لخلق مزيدٍ من الدخل لأسرتها. سنحتاج إلى استعادة أفكار تلك القروية البسيطة والجبارة في نفس الوقت وإلى مهارتها في تدبّر الحياة المعيشية في زمنٍ شح الوظائف وارتفاع أسعار المستلزمات المعيشية وتصاعد الضرائب، ونتمنى أن نقتدي بها استعداداً لما هو قادم من سنوات عجاف في عالم ما بعد النفط والوفرة المالية، وذلك أكبر تكريم لجدّاتنا الريفيات، وكي لا يذهب تاريخهن ونضالاتهن سدى.


