الإمبريالية ليست قدر الشعوب والبلدان في العالم، فرضت إرادتها بالقوة والهيمنة عبر عقود من السنين، منذ أن أصبحت “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” حسب وصف لينين، فالقوى الإمبريالية ممثلة في الدول الاستعمارية كانت تحتلُّ العديد من البلدان والشعوب وتمارس عليها أبشع وأقذر الجرائم والمجازر، ناهيك عن سرقة ونهب خيرات بلدانهم، فعلت ذلك في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولازالت آثارها موجودة في تلك البلدان التي استعمرتها. لن تنسى الشعوب، فذكراتها حية، حسب تعبير الزعيم الجنوب الأفريقي المناضل الكبير الراحل نيلسون مانديلا، أثناء الحقبة السوداء في جنوب أفريقيا على يد نظام الفصل العنصري “الأبارتيد” ‘نغفر ولكن لن ننسى”. كان مبدأ التسامح والتعايش مع من مارس التعذيب الجسدي والنفسي على المناضلين في سجون ومعتقلات جنوب أفريقيا، ولكن لن ينسوا لهم الممارسات التعسفية وغير الأخلاقية، ضد المناضلين الأفارقة.
ما تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني خلال العامين الماضيين منذ أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025، بعد إعلان وقف إطلاق النار، هو إبادة جماعية قلَّ نظيرها في العصر الحديث، ارتكبت فيها من المجازر والمذابح الدموية المروعة ما فاقت مجازر ومذابح النازيين الألمان في الحرب العالمية الثانية في أعوام 1939/1945، حيث ظلَّ الصهاينة يلاحقون النازيين على مايعرف بمحرقة “الهولوكوست” ضد اليهود في ألمانيا، طوال العقود الماضية ، فدفع الألمان الثمن غالياً على جرائم النازيين في الحرب، باستمرار الابتزاز الواضح من قبل الصهاينة.
انطلاقاً من تعامل الصهاينة مع الألمان، فإنه على الفلسطينيين والمؤيدين للحق الفلسطيني، ملاحقة القتلة الصهاينة على تلك الإبادة الجماعية وتقديمهم للمحاكم لتأخذ العدالة دورها في القصاص من القتلة، ومهما كانت الظروف الحالية، يجب أن تستمر الجهود المبذولة من الجهات القانونية والحقوقية الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية لكي يحاكم الصهاينة القتلة في محكمة لاهاي.
وبالعودة لموضوعنا نقول إنّ الوقائع والأحداث الدولية تشير باتجاه نشوء نظام دولي جديد قائم على التعددية، فلن تعود الإمبريالية الأمريكية تتحكم في مقدرات وخيرات الشعوب والبلدان، ولن تفرض إرادتها على العديد من الدول والشعوب الحرة التي تقف في وجهها، ولن تخشى تهديداتها، فالصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها تقف عائقاً أمام أطماع الإمبريالية الأمريكية، كما أن تلك الدول تشكَّل أعمدة رئيسية في منظمة بريكس، إذا قدَّر لها الاستمرار سوف يكون لها شأنٌ كبيرٌ على شتَّى الأصعدة السياسية، العسكرية، الاقتصادية، المالية، الصناعية والتكنولوجية، مما يعني أنها سوف تستحوذ على الاقتصاد العالمي، ولكنها ستواجه الصعوبات والمعوقات التي تضعها لها الإمبريالية الأمريكية المتوحشة في محاولة منها لعرقلة تقدمها وعدم السماح لها بالتفوق، فمجموعة بريكس بصدد إصدار عملة خاصة، وإنْ تمَّ ذلك سوف تكون ضربة قاصمة للدولار، فقد لا تقوم له قائمة في المستقبل، لهذا تعمل الإمبريالية الأمريكية على خلق بور التوتر والخلاف في أكثر من منطقة في العالم، واستخدام القوة لفرض إرادتها على البلدان والشعوب التي لا تروق لها، غير الابتزاز والتهديد الذي يُمارس تجاه الدول المستقلة مثل فنزويلا، حيث تريد واشنطن إسقاط نظامها الوطني وإحلال نظام عميل محله، وليس هناك من خيار أمام الشعب الفنزويلي وشعوب أمريكا اللاتينية وأحزابها التقدمية واليسارية غير الصمود والثبات والتصدي للعدوان الأمريكي، مثلما صمدت كوبا الاشتراكية لأكثر من خمس وستين سنة أمام الإمبريالية الأمريكية .
ما يجري في العالم هو مخاض لولادة نظام عالمي جديد قائم على تعدد الأقطاب، تقول دراسة حول إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد، بسعي الصين والقوى الكبرى لتأسيس نظام متعدد الأقطاب، من خلال تبيان المنظور الصيني للتغيرات في النظام الدولي والمطالبة بإعادة تشكيله في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية، ووجود بوادر ومؤشرات بينت تراجع القوة الأمريكية فعليًا، وظهور قوى تعديلية مُوازِنة كروسيا والصين، حيث تعمل هذه الأخيرة على توطين نفوذها ومكانتها على المستوى الدولي خاصة من خلال التموقع في المنظمات الدولية.
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية النظام العالمي وتوازنات القوى الدولية، تتجاوز في تأثيرها وعمقها التغيرات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. وكما يشير هنري كيسنجر في كتابه “النظام العالمي”: “نحن نعيش في فترة تاريخية يتمّ فيها إعادة تشكيل جذرية للنظام العالمي، حيث تتزامن أزمة في مفهوم النظام ذاته مع تحولات في موازين القوى العالمية تتجلى في صعود قوى عالمية جديدة، وتراجع نسبي للهيمنة الغربية، وتغيرات جذرية في طبيعة القوة ومصادرها، وتحديات غير مسبوقة تواجه المؤسسات الدولية التقليدية .”


