كان مساءً مختلفاً وجميلاً، حين تحلقنا في ندوةٍ حوارية حول بواكير القصص القصيرة التي كتبها الراحلون أحمد كمال وعلي سيار والشيخ عبد العزيز بن محمد آل خليفة ومحمود يوسف وآخرون في مطلع الخمسينات، جمعها الراحل الدكتور إبراهيم غلوم وحققها لتصبح لاحقاً أساساً لأطروحته للماجستير، وكانت أيضاً ضمن مشروعه الممتد سلسلة بواكير، إذ ذهب إبراهيم إلى البدايات وإلى أول الاشياء من أجل توثيق الأصول في المسرح والشعر والصحافة والقصة القصيرة والنقد الأدبي.
هذه هي الفعالية الحادية عشر التي تُقام تكريماً لذكرى الدكتور إبراهيم غلوم بعد رحيله، وقبلها بأسبوع استضافت مسقط وبتنظيم من الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء ندوة “عمان والخليج في فكر د. إبراهيم غلوم” وتضمّنت تدشين كتاب حوى أبحاثاً وشهادات حول حضوره وانتاجه الفكري بأقلام عمانية وخليجية، إضافة إلى فعاليات عديدة سابقة انطلقت وتتابعت بعد رحيله، وشملت التكريم والندوات وإصدار الكتب المختصة حول نتاجه في حقول الأدب المختلفة.
ينطلق الراحل إبراهيم غلوم في مشروعه الثقافي النقدي الأكاديمي الممتد والمتشعب والمتنوع على مدى 50 عاما من أنّ الثقافة بكلّ أشكالها ما هي إلا أداة للتغيير المجتمعي ورافعة للتطور الاجتماعي والسياسي والديمقراطي، وأنّ مهمة النقد، حسب إبراهيم، هي تحليل الخطاب وتفكيكه وكشف المضمر فيه وصولاً إلى جذر المشكلات وكيفية تشكلّها بمرور الوقت، وقد شاركتُ شخصياً مع الدكتور إبراهيم في ندوة ثقافية أعدّتها جريدة الوسط عام 2014، استعرض فيها بدايات تشكل الصالونات والمجالس والمنتديات الثقافية المؤثرة ودورها النهضوي الإصلاحي، حيث قال: إنّ ما هو موجود حالياً يفتقد إلى الحوارات المعمقة والنقد الحقيقي، متسائلاً: أين هو التغيير الذي أحدثته قياساً بمجالس الماضي؟
وفي مادة الأدب الشعبي التي أدخلها الدكتور إبراهيم ضمن المقرر الدراسي الجامعي، اشتغل وشغل طلابه على النظر إلى التراث المحلي وصونه وتحليل طقوسه ومظاهره بشكل منهجي، لما له من أهمية في تعزيز الوعي المجتمعي والهوية البحرينية. قال إبراهيم: إنّ الغوص والفرجان والأغاني والرقصات الفلكلورية مهمّة لمعرفة كيف عاش الناس وكيف تشكّل وعيهم عبر الزمن من خلال بيئتهم ومتطلبات عصرهم، ودعا في أكثر كتاباته إلى إحياء الوعي بالبحر والزرع وكلّ ما اتصل بالموروث: “إنها ذاكرتنا الوطنية الجمعية المُوحدة لنسيجنا المجتمعي الجديرة بالحفظ، والعمل على توظيفها في الفن والمسرح والأدب والقصة بدلاً من الاستهانة بها أو استلهام واقتباس أعمال من خارج منظومتنا المحلية الغنية”.
وقد وجدت زوجته “كاسيتات” لأعمال طلابه الأكاديمية حول الموروث الشعبي، وهي بحاجة إلى تفريغ ودراسة وتحليل، كي لا تضيع وتتبدد، وحسب الدكتورة فوزية فإنّ لدى ابراهيم قدرة عجيبة على دمج الموروث الشعبي في كلّ شيء متصل بحياتنا حتى في المادة العلمية، وهو ما استندت إليه أستاذة الكيمياء في تأليف كتبها الثلاثة: “ثمار البحرين”، “أوراق وأزهار”، “الأشربة الصحية” وغيرها. وحين بنى إبراهيم بيته في الرفاع زرع فيه النخيل أولاً واعتنى بها بنفسه، كما زرع أشجار ونباتات البحرين الأصلية والأصيلة، انطلاقاً من حبّه وعشقه لكل ما أنبتته هذه الأرض والتي وظّفها كثيراً في دراسة الموروث الشعبي. وفي زيارة لبيتي ذات مرة، سألني إبراهيم وهو يتجوّل في الحديقة، أين النخيل؟ معقباً: أزيلي هذه الأشجار الإمبريالية وازرعي النخيل.
والمتابع لتجربة الراحل يصعب عليه حصر الإرث الذي خلفه، بل أن بعض أعماله الأخيرة كما تقول زوجته الدكتورة فوزية الصالح كانت جاهزة وفي طريقها إلى الطباعة قبل أن يرحل، وكان دائم الحديث عنها أثناء مرضه، وظلّ الأمل يحدوه في استعادة صحته ووضع اللمسات الأخيرة عليها ودفعها إلى المطبعة، وله مسرحيات على هيئة مخطوطات ومُثلت في قطر والعراق ومصر والكويت قبل أن تطبع، وعلى جهازه المحمول هناك تسع مسرحيات وقصص قصيرة جاهزة للإخراج منذ زمن، وقد شغله العمل الأكاديمي وأسفاره ودوره كمحكم للجوائز الادبية والمسرحية عن المضي قدماً فيها واستكمالها.
ثمّة مادة جمعها الراحل، وكانت أيضاً معدّة كمشروع لكتاب، لكن لم يتم التطرق إليها من قبل المختصين والمتابعين وطلابه المخلصين، جاءت في برنامج إذاعي ثقافي كويتي، يقدّمه الدكتور عبد العزيز السريع “قراءة في كتاب” وكان لإبراهيم نصيب الأسد في المشاركة فيه.
لدى عائلة إبراهيم والمهتمين بالفكر الذي حمله والإرث الذي تركه والتكريم الذي حظي بها والجوائز التي حصل عليها رغبة في جمع كلّ ذلك والبناء عليه والاستفادة منه وتمكين الأجيال الجديدة من الاطلاع عليه راهناً ومستقبلاً، لذا أنشأت العائلة موقعاً إلكترونياً، واشترت بيتا أثرياً قديماً لضمّ كلّ أعماله وكتبه وأبحاثه ومشاركاته الثقافية والنقدية في مختلف الأنشطة الأدبية والمسرحية، لكن كل تلك الجهود الجبارة تنهض بها حاليا زوجته الدكتورة فوزية وابناها أنمار ونزار، وهي جهود فردية تظلّ قاصرة وصعبة مهما عظمت، فهذا العمل المتميّز يحتاج إلى فريق مختص وعمل مؤسسي، والأهم إلى تمويل مالي، ومراكز الأبحاث الثقافية والمسرحية والمكتبات المركزية والجامعات في عموم منطقة الخليج والعالم العربي – وخاصة جامعة البحرين التي أنتج وأبدع فيها وقدّم خيرة الطلاب – وكذلك رجال الاعمال والميسورون مدعوون جميعاً لاحتضان هذا المشروع الثقافي الوطني ودعمه، ولتكن البداية ترميم البيت التراثي الجميل الذي يصلح كمحطة ثقافية وسياحية في قلب مدينة المنامة.
في ثنايا أوراق الراحل وبين كتبه وأفكاره ومشاريعه السابقة واللاحقة تقبع كنوز وبذور لأفكار جميلة وواعدة من شأنها إن ظهرت للنور أن تسهم في تعزيز التنمية الثقافية لوطننا وفي إغناء الفكر التنويري للراحل المبدع إبراهيم غلوم من أجل إبقاءه حياً في الأذهان والوجدان.


