جرت مناقشة موضوع الخصخصة لقطاعاتٍ حيوية مراراً، وتناول المنبر التقدمي هذا الموضوع في بياناته وأنشطته، ومثله فعلت جمعيات سياسية وهيئات نقابية، تحذيراً من العواقب الوخيمة التي ستترتب على هذا التوجه، وفي مقدّمتها تخلي الدولة عن التزاماتها تجاه المواطنين في تأمين الخدمات الضرورية في مجالات مثل الصحة والتعليم، وسواهما، فمع تراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية صرنا شهوداُ على تغوّل المدارس والمستشفيات الخاصة، التي لا ترتقى خدماتها بالضرورة إلى مستوى ما كانت الدولة تقدّمه، فضلاً عن المبالغ الباهظة التي يتعين على المواطن دفعها، حين تصبح الخصخصة هي السائدة، فيقلّ أو يلغى الدعم الحكومي الذي يحمي المستهلكين.
في الآونة الأخيرة أفصحت الحكومة عن توجهٍ ينطوي على مثل هذه المخاطر وأكثر، هو تخصيص الطاقة الكهربائية التي تعدّ إحدى ركائز البنية التحتية لأي دولة، وعنصراً أساسياً في جودة الحياة والتنمية الاقتصادية، وفي البحرين، يمثّل قطاع الكهرباء جزءاً حساساً من منظومة الخدمات العامة التي تعتمد عليها الأسر والمؤسسات والمصانع.
ومن أكبر المخاوف المرتبطة بخصخصة الكهرباء أنّ الشركات الخاصة تتعامل مع الكهرباء، كما مع أي خدمة أخرى تقدّمها، كسلعةٍ تجارية وليست خدمة عامة، فعندما تتولى شركة خاصة إدارة الكهرباء، يصبح دور الدولة – حتى لو بقيت جهة إشراف – أصعب في ضبط تعريفة الكهرباء أو فرض سياسات طويلة الأمد، حيث ستسعى الشركات الخاصة التي ستوكل لها المهمة إلى تحقيق عائد سريع على الاستثمار، وتستخدم النفوذ الاقتصادي للمطالبة بزيادة الأسعار، وقد تمارس الضغوط لإعادة هيكلة الدعم بما يخدم مصالحها.
قطاع الكهرباء بالذات، هو بطبيعته، ليس مجالاً مفتوحاً للمنافسة الحرّة، لأنه يحتاج استثمارات هائلة، فعند خصخصته ستسيطر شركة واحدة أو عدد محدود من الشركات على الإنتاج والتوزيع، وسيؤدي غياب المنافسة إلى احتكار فعلي يضرّ المستهلكين، وتقلّ الحوافز لتحسين الخدمة إذا كان السوق مغلقاً أمام المنافسين الجدد، وعن هذا كلّه سينجم ارتفاع الأسعار دون مقابل حقيقي في الجودة.
وإذا كانت الدولة، بحكم وظيفتها، ملزمة بتأمين خدمة الكهرباء لجميع المناطق، فإنّ الشركات الخاصة ستركز على المناطق ذات العائد الأعلى، أو تتباطأ في استبدال أو تحديث شبكات المناطق الأقلّ كثافة، وربما تطبق رسوماً إضافية للخدمات الفنية أو الإدارية، ما قد يؤدي إلى اتساع فجوة الخدمات بين المناطق المختلفة في البحرين.
وعلينا أيضاً أن نتوقع أنّ الخصخصة ستؤدي، تلقائياً، إلى تقليل عدد الموظفين لخفض التكاليف، ما يعني استبدال جزء من الكوادر الوطنية بخبرات أجنبية أقلّ تكلفة، وتحويل العقود الدائمة إلى عقود مؤقتة أو ذات مزايا أقل.

