قرار اشتراط أن يكون النوخذة على السفن التجارية بحريني الجنسية خطوة تحمل دلالات أبعد من كونها إجراءً إداريًا. فهي تمثل استعادة البحر لأهله، وضمان أن يقوده من تربطه بالبحر هوية وانتماء لا مجرد مصلحة عابرة. وجود النوخذة البحريني لا يلغي الاستعانة بالعمالة الأجنبية المساعدة، لكنه يضع على رأس القيادة من يحرص على صون الثروة البحرية للأجيال المقبلة.
هذا القرار يمكن أن يكون بداية لعملية تطوير أشمل لمهنة الصيد. من الضروري أن ترافقه برامج تدريب متخصصة تكثف مهارات الصيادين البحرينيين، وتؤهل جيلًا قادرًا على الجمع بين المعرفة التقليدية والتقنيات الحديثة. غير أن تطوير المهنة لا يجب أن يتوقف عند لحظة إخراج السمك من البحر، بل يجب أن يمتد ليغطي سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية: من الصيد والتدريب إلى البيع والتسويق والتوزيع، وصولًا إلى المستهلك النهائي.
هذه السلسلة قادرة على خلق فرص عمل متنوعة للباحثين عن عمل، ليس فقط كصيادين، بل أيضًا في مجالات مساندة مثل التسويق الرقمي، التجارة الإلكترونية، تشغيل المنصات الرقمية، وإدارة سلاسل التوزيع. عندها يتحول الصيد من مهنة تقليدية إلى قطاع اقتصادي متكامل قادر على تحريك عجلة التنمية وتوليد وظائف جديدة.
التجربة الإماراتية تقدّم نماذج واضحة في هذا المجال؛ ففي الشارقة مثلًا تعمل جمعيات تعاونية في تقديم خدمات متكاملة وتوزع أرباحًا نقدية سنوية على أعضائها. أما في أبوظبي، فتدير الجمعية التعاونية للصيادين منافذ وأسواقًا لبيع الأسماك الطازجة، ما يضمن تصريف الإنتاج بشكل منظم وعادل. هذه النماذج تبين أن الجمعيات التعاونية يمكن أن تكون رافعة اقتصادية حقيقية للصيادين، ومعها تنفتح فرص لتوسيع الاقتصاد البحري بشكل مستدام.
النوخذة البحريني ليس غاية بحد ذاته، بل مدخل لبناء رؤية اقتصادية واجتماعية أوسع. إذا استُغل القرار لتأسيس بنية متكاملة من التدريب والتسويق والتعاونيات، فإن البحر لن يبقى مجرد مصدر رزق تقليدي، بل سيتحول إلى محرك اقتصادي يعيد الاعتبار للهوية البحرية، ويمنح الأجيال المقبلة فرصًا عملية متنوعة.


