ينفرد الشاعر البحريني قاسم حداد بتجربة نوعية تحلّق بأكثر من جناحين خارج السرب الشعري العربي الراهن، وعلى الرغم من أنّه خاض مرحلتين مختلفتين في صياغة تجربته الشعرية هما: (قصيدة التفعيلة) و (قصيدة النثر)، إلا أنّه داخل هاتين المرحلتين كانت له اجتهادات خاصة في مجال الاشتغال على (اللغة)، وإذا كان من الممكن الحديث عن (قصيدة خليجية) باعتبار تأثير التاريخ والمكان والزمن؛ خارج فضاء (قصيدة مشرقية) متمثلة بالشعرية العراقية والشعرية الشامية، وخارج فضاء (قصيدة مغربية) متمثلة بالشعرية المصرية والشعرية المغاربية، فإن قاسم حداد أحد أبرز روّاد هذه القصيدة من حيث النموذج والتجربة والسيرة الشعرية الخاصة بالنتاج الشعري، فضلا عن الاستمرارية في تكريس الحياة كلها لخدمة هذه التجربة عبر سنوات طويلة ابتدأت من نهاية ستينيات القرن الماضي حتى الآن.
إن مأزق القصيدة الخليجية أنها تنظر بعين إلى القصيدة المشرقية وبالعين الأخرى إلى القصيدة المغاربية، وتحاول أن تجد لها موطئ قدم بينهما على نحو من الأنحاء، من خلال التأثر بالتجارب المركزية الريادية في المشرق والمغرب، على النحو الذي يبني لدى الشاعر قاسم حداد فضاء الإحساس بالريادة الخليجية والعمل عليها، وقد وجد في فضاء اللغة المساحة الأرحب للحصول على فرصة الريادة على هذا الصعيد، فهو يجتهد في تلمّس عناصر اللغة ابتداء من أدق وأصغر وحداتها إلى أكبر ووحداتها، عن طريق رصدها وتفحّصها وتقطير محتوياتها بما يجعله يحصل على لغة صافية ونقية وخصبة، يمكنه أن يتفنن في الاشتغال عليها داخل حدود قصيدته ليصنع منها النموذج الريادي خليجياً.
تمثل هذه الثنائية (لغة القصيدة وقصيدة اللغة) أو (القصيدة اللغة واللغة القصيدة) محورا مركزيا وأساسيا في تجربة الشاعر قاسم حداد، ويمكن مقاربة تجربة هذا الشاعر من خلال مرحلتين، المرحلة الأولى تمتدّ من بداياته الشعرية في ستينيات القرن الماضي وحتى عام 1980 بكل ما انتجه من تجربة شعرية، تمثّلت في أعماله الشعرية الخاصة بقصيدة التفعيلة التي جارى فيها كبار الروّاد؛ وسعى إلى ترك بصمة معيّنة تخذ ذاته الشعرية وصوته الشعري الخاص، وظلت هذه المرحلة لا تعكس رؤية جديدة وحداثية بدرجة عالية تنبئ بشاعر جديد وصوت شعري مغاير، يمكنه أن يتجاوز كثير من المحاولات الشعرية النوعية في تاريخ الشعرية العربية الحديثة ويحقق ذاته الشعرية بشكل واضح.
في حين تحرك الشاعر من عام 1980 نحو أفق شعري آخر ومفهوم أخر للشعر؛ حيث صدر له ديوانه الموسوم بـ (قلب الحبّ) وبعد ذلك بثلاث سنوات عام 1983 حيث صدر له ديوان (شظايا)، انتقل فيهما قاسم حداد إلى المرحلة الثانية التي كان يخطط لها ويشتغل عليها بحثا عن طبقة التميّز والفرادة والخصوصية، بوصفها الهدف الأساس له ولكل شاعر يعتقد أنه يمتلك موهبة كبيرة تستحق أن تكون تحت الضوء النقدي والقرائي الكثيف، ومن هنا ابتدأ مشروعه الشعري الحقيقي والجوهري على نحو واضح وفاعل وأصيل.
تحيل هذه الثنائية المتعلقة باشتباك اللغة مع القصيدة أو اشتباك القصيدة مع اللغة على إشكالية الصنعة الشعرية بمفهومها الشعري المعروف، وبمرجعيتها الشامية التي يمثلها في الراهن الشعري الحالي ويقودها أدونيس؛ في عنايته المعروفة الفائقة باللغة الشعرية وفتحها على أوسع الآفاق الممكنة، وتموينها بكثير من الرؤى والأفكار والقيم والجماليات ذات الطبيعة الثقافية والفكرية والفلسفية والحضارية، على النحو الذي تصل فيه اللغة الشعرية إلى أعلى مراحل الصفاء والتوقّد والقدرة على العطاء، ومن الطبيعي أن ينتبه قاسم حداد إلى ما تركه أدونيس في مدونة الشعرية العربية الحديثة على هذا الأساس.
ومن جهة أخرى لا بد أن يكون الشاعر حداد قد تأثر بالحساسية الروحية الجديدة التي تمثلها السياب في تكوين شعريته الخاصة، وإذا ما دققنا النظر في تعامل قاسم حداد مع هذه الإشكالية؛ نجد أنه حاول الخروج على الأسلوب الأدونيسي في التعامل مع اللغة لصالح الأسلوب السيابي، مع الخروج الجزئي المصاحب للخروج الأول على الانفتاح الوجداني المطلق لدى السياب، والاستقرار على لغة شعرية تعمل داخل القصيدة في حراك شعري نوعي؛ أو على قصيدة يتفاعل تشكيلها مع لغتها بما يستجيب لأفقها الشعري وقضيتها الشعرية، بعيدا عن التأثر بالمرجعيات مهما كانت مهيمنة على طريقة الكتابة وهوية البناء الشعري في القصيدة.
تعاني قصيدة التفعيلة بعد تجربتها على مدى الأعوام التي تمثل تاريخها منذ نهاية أربعينيات القرن المضي حتى الآن من جملة مشاكل؛ على صعيد بلوغ طبقة صفاء اللغة الشعرية في قصيدة الحداثة بما يتطلبه ذلك من إجراءات وشواغل فنية وجمالية وبنيوية وسيميائية كثيرة، ومن أبرز هذه العوائق التي وقفت في طريق هذه القصيدة هي (مشكلة القافية)، التي تشكّل إعاقة كبيرة في طريق حرية اللغة داخل كيان القصيدة وحركتها التعبيرية والتشكيلية، ولو نتفحّص قصائد التفعيلة عند قاسم حداد سنجد أن القافية في كثير من طبقاتها تحدّ من انطلاق اللغة الشعرية وتوقف تصاعدها، لذا فإنه بانتقاله الكلي إلى قصيدة النثر يكون قد اقتنع بضرورة التخلّص منها على نحو حاسم؛ ضمانا لسلامة صفاء اللغة الشعرية واستقلاليتها التكوينية على مستوى الحضور والنموّ والتبنين النصي.
إن ضرورة الانتماء الكلي إلى لغة القصيدة التي تنمو مع الحدث الشعري في تجربة الشاعر حداد، أسهمت بفاعلية أكيدة في تفتّح اللغة الشعرية داخل قصيدته على آفاق جديدة بعيدا عن المرجعيات والمقاصد والأهداف المسبقة، وكلما تقدمت تجربته على مستوى الزمن أكثر نجد أن الوعي يتضاعف لديه، ونجد أن لغة القصيدة أو قصيدة اللغة تذهب نحو آفاق أكثر حيوية ونشاطا وقدرة تعبيرية عالية، بما يجعل منها لغة شديدة الخصوصية وكأنها لا تنتمي إلا لصورة هذا الشاعر ورؤيته في صوغ القصيدة.
لقد كانت البداية الحداثية للشاعر مع (قصيدة التفعيلة) التي وجد فيها متنفسا له بعيدا عن القصيدة العمودية التي وجد أنها قد استهلكت تماماً، لكنه لم يسلّم على نحو مطلق لهيمنة قصيدة التفعيلة حين وجد أنها تسير إلى طريق مسدودة، ولهذا سرعان ما قرّر مغادرتها لأن الشاعر وجد نفسه أكثر في (قصيدة النثر)، وبدأ مشروعه الشعري الحقيقي معها حين وجد أن تجربته في قصيدة التفعيلة لم تمنحه هذه المساحة التي تتحرك فيها لغته هنا بكل حرية، ووجد الحرية الكبرى التي يمكنه من خلالها داخل قصيدة النثر، وقد وضع تجربته الخاصة بهذا الشكل الشعري المناسب لوعيه ورؤيته موضع التنفيذ الشعري على المستويات كلها.
شرع قاسم حداد هنا باكتشاف تجربته على مستوى الشكل والنوع والرؤية والرؤيا وحساسية الكتابة من جديد؛ وبدأ العمل الغزير والحيوي والنشيط والفاعل على مشروع الريادة الشعرية الجديدة للقصيدة الخليجية، ولا شك في أن هذا الوعي المبكّر ساعده كثيرا في هذا التقدم والتطور الهائل الذي حصل في تجربته، وقدّمه بوصفه شاعر الخليج الأول والأكثر حداثة مع وجود أسماء شعرية مهمة في بلده البحرين، مثل الشاعر علي الشرقاوي والشاعر علوي الهاشمي وعلي عبد الله خليفة وغيرهم، لكنه هو الذي رسم لنفسه طريقا أخرى فيها كثير من الخبرة والتحدي الذاتي والموضوعي، الداخلي والخارجي، من أجل الوصول إلى منطقة شعرية يقتنع بأنها تخصه حصرا؛ ويمكنه فيها الحديث عن نموذج شعري يخصه بوصفه رائدا من رواد الحداثة الشعرية العربية بحساسيتها الجديدة.


