لحظة التجلي الصوفي عند دوستويفسكي

0
65

إن قمّةَ إبداع دوستويفسكي هو عندما يتحدث في قصصِهِ عن لحظاتٍ ومواقفَ وأحداث حاسمةٍ صادفتهُ غيّرت مجرى حياتِهِ، والقارئ لسيرتهِ يعرف أن الكثير من القصص التي ضمّنها أعمالهُ الأدبية هي تجارب حياتية شخصية، فمثلاً في رواية “الأبله” يتحدث الأمير ميشكين -الشخصية الأساسية في الرواية- بعمق عن الأثر النفسي الذي قد يتعرض له المحكوم بعقوبة الإعدام، ويمعن في وصف الحالات النفسية والشعورية للمحكوم منذ صدور الحكم حتى اللحظة الأخيرة قبيل التنفيذ، يرى أن هذا العذاب النفسي الهائل في اللحظة الأخيرة للتنفيذ أشد وقعاً من الموت نفسه. ونعرف أنه تم العفو عن دوستويفسكي في اللحظة الأخيرة ذاتها قبيل تنفيذ حكم الإعدام عليه وكان لهذه اللحظة أثر بليغ جداً على مستقبله ككل وعلى مسيرته الأدبية.

وفي رواية “الأبله” أيضاً سيتحدث دوستويفسكي وعن طريق أميره ميشكين أيضاً عن مرضه المزمن، فهو بحسب سيرته أنه كان يعاني من مرض الصرع المزمن وتأتيه نوبات الصرع بشكل متكرر. ولي شخصياً تجربة مع هذا المرض أعرف شخصاً كان يعاني منه وكنت أرتعد عندما أراه يسقط على الأرض وتأتيه النوبة ويرتج جسده ويفقد السيطرة، حالة تشعرك بالذهول والضعف والأسى ولكن رغم ذلك -ولله الحمد- بعد انتهاء النوبة يعود طبيعياً وكأن شيئاً لم يكن وغالباً لا يتذكر المصاب ما حدث له. ولكن دعونا نعرف كيف استطاع دوستويفسكي أن يحول هذه الحالة الى لحظة تأمل وجوديةٍ تكتنفها نزعةٌ صوفية شرقية. لا أبالغ إن قلت إن هذه التأملات واحدة من أعظم التأملات التي قد تقرأها في نصٍّ روائي يتناول حالة مرضية وهي في تصوري ذِروة الإبداع عنده. تأملوا معي روعة هذا المقطع الذي يقول فيه بصوت الراوي العليم:” لقد تذكرَ أنه في أثناء نوبةِ الصرع، أو على الأصح قبلها مباشرةً، كان دائماً يشعر -لمدةِ لحظةٍ أو لحظتين- أن كل قلبهِ، وكلَّ عقلهِ، وكل جسمهِ قد استيقظَ للحياة والنور، فإذا به ممتلئُ النفْسِ بالبهجةِ والأمل، وإذا بجميع هواجسهِ تبدو وكأنها زالت تماماً وللأبد!”. (عصير الكتب للنشر ج2 ص23)

إن التجلي الإشراقي الذي يغمر نفسه كان يمر في لحظة لا تتعدى الثواني وهي على قِصَرها تبدو كأنها الأبدية يشعر خلالها بالنور والامتلاء الروحي هي بالنسبة للمشاهد تمر كومضةِ برقٍ ولكن الأمر مختلف بالنسبة له إذ إنه لا يعود يشعر بتدفق الوقت فهو شخصٌ يمر في لحظةٍ روحيةٍ فارقةٍ خارج حدود الزمان والمكان في هذه اللحظة هو حُرٌّ بكامل معنى الحرية مُشرِقٌ ممتلئٌ بالنور، يقول: “لقد اعترفَ الأميرُ بلا تحفّظٍ لنفسِهِ أن إحساساً بذلك الجمال المركّز في تلك اللحظة الحافلةِ جعلها تساوي عمراً كاملاً…”، ويضيف هذه المرة بصوت ضمير المتكلم وهو هنا الأمير ميشكين:” إنّي أشعر عندئذٍ كأني أفهم هذه الكلمات الرائعة؛ الوقتُ يومئذٍ بلا نهاية(…)لا شكَّ أن بعض الذين رأوا ملكوت السماء عاشوا هذه اللحظة عندما قالوا إنهم طافوا بذلك الملكوت في وقتٍ أقلّ مما يستغرقهُ شربَ كوبِ ماء.” (ص23)

ويميز دوستويفسكي تميزاً قاطعاً بين هذه اللحظة الإشراقية وبين هلوسات المخدر أو المخمور، فيرى أن التناسقَ والجمالَ والبهاءَ والنورَ الذي يغمر نفْسَهَ والذي تزخر به هذه اللحظة يستحيل أن يكون هلوساتِ مخدَّرٍ بالعقاقيرِ، لأن الهلوسات تلك لا تأتي في هذا الاتساق والترابط العقلي والاطمئنان الروحي، بل هي في الواقع صورٌ موهومة وتقاطعات عشوائية يشعر الإنسان خلالها بالخَدَرِ والاضمحلال تعقبها حالةٌ من اليأس وشعورٍ بالنُّفور، وهذا ما تعكسه التجارب والملاحظات التي يدونها المختصون، ويقول: “إنه لا يستطيعُ أبداً أن يشك أو أن يفكر في احتمال الشك، بأن هناك تناسقاً وجمالاً في هذه اللحظة غير العادية، وأنها مفعمةٌ بأعلى درجاتِ البهاء في الحياة، فهو يشعر أنها لم تكن مشابهةً لتلك الرؤى والأوهام والأحلام الناشئة عن خدَرِ الحواس بالمخدِّر والخمر، كان في مقدوره أن يتبين هذا بعد أن تنتهي النوبة…” (ص 22)

إن دوستويفسكي في لحظة الوجد تلك قد وصل في سفَرِهِ الى لحظةٍ رأى وشعَرَ فيها بما يشعرُ به العرفاء والمتصوفةُ في ثقافتنا الإسلامية وقد عبَّر عنها بعباراتٍ وجدانية حين تحدث عن أولئك الذين طافوا بملكوت السماء في وقتٍ أقلَّ مما يستغرقه شرب كوب ماء، وهي حالة يسميها المتصوفة لحظة التجلّي، يسافر العارف فيها الى عالم الشهود، وهي رُتبةٌ روحيةٌ تأملية عاليةٍ يعيش خلالها السالِكُ حالةً من الصفاء والحضور القلبي تقرّبهُ من معرفة الحق معرفةً وجدانية قلبية، لذلك قالوا: “ليس الخبرُ كالمُعاينة” أي أن معرفة الله بالبرهان ليست كمعرفتِهِ بالشهود، والتجلّي هو إشراق ُالأنوار الإلهية في قلبِ العارف فيرى النورَ والجمال بعين قلبهِ، وهذا أقرب الى حدٍّ كبير بلحظة دوستويفسكي الوجودية الفارقة.

صحيحٌ بأنّ ما كان يمر به دوستويفسكي من لحظة فارقة وجودية هي حالةٌ مرَضيّة وهو لا يخفي ذلك بل يصفُهُ ويرى فيها السببَ الملهِمَ للوصول الى تلك اللحظة الفارقة التي لا يتمنى الخروج منها أبداً، ذلك لأنه كما ذكَر يشعر بجماليتها وتناسقها بالرغم من أنها بعد لحظاتٍ ستنتهي بنوبةِ صرعٍ تهزّ كيانه كله، يقول: “وماذا يهم لو أن الأمر مجرد مرضٍ فقط، مجرد مؤثرٍ غير عادي في الذهن، ما دامت هذه اللحظة حين أتذكرها وأحلّلها تبدو لوناً من التناسق والجمال في أعلى درجة، إنها لحظة (وإن كانت مرَضيّة) من الإحساس العميق المغمور بفيض من البهجة العارمة والنشوة والهناء الخالص والإحساس الكامل بالحياة.” 22. هل يا ترى ثمةَ تلازم بين الحالة المرضيّة التي عند فيودور والتي وصفها وصفاً وجدانياً مع حالات العرفان الإشراقي ولحظاته الفارقة، أم أنها نوع من التخاطر عبر الثقافات الإنسانية المتشابكة؟!