الانتصار على الزمن بالذاكرة
يقول مترجم رواية مارسيل بروست (بحثاً عن الزمن المفقود) بأن بروست تساءل إن كان روائياً أم لا؟، فهل بعد كل هذا الجهد المبذول في هذه الكتب السبعة خلال الثلاثة عشر عاماً التي قضاها في كتابة هذه الرواية التي بلغ عدد صفحات ما كتب يزيد عن ثلاثة آلاف صفحة يحق له أن يتساءل إن كان روائياً؟
تتكون رواية “بحثاً عن الزمن المفقود” من سبعة أجزاء: هي على التوالي: جانب منازل سوان، في ظلال ربيع الفتيات، جانب منازل غرمانت، سادوم وعامورة، السجينة، البيرتين المختفية، الزمن المستعاد، فهي، إذن، عمل أدبي ضخم، وتعدّ من أعظم الروايات في الأدب العالمي، كتبها بروست بين عامي 1908 و1922م مستخدماً اللغة والصور لتفكيك المشاعر والأفكار.
يذكر المترجم جمال شحيد بأن مغامرته كمترجم “ارتبطت بلغة بروست وأسلوبه”، ومغامرتي أنا كقارئ كانت ذات صعوبة قصوى في إنجاز قراءة هذه المتون السبعة، التي أخذت مني الوقت الطويل، فأسلوب مارسيل بروست صعب، غني بالاستعارات والمقارنات، والأحداث المستعصية التي يرويها تحتاج إلى فهم وتدقيق من ذاك الزمن المفقود في حياة الكاتب الباريسية حيث عاشها ما بين 1871 و 1922، فالزمن بالنسبة له هو ذاكرة، وهو البداية والنهاية، فالتذكر كان هاجسه في كتابة روايته المطولة هذه مهتما بكيف يمكن للحواس والتجربة الشخصية أن تسترجع الماضي الغائب عبر الفن والوعي.
الذاكرة هي الهاجس الأساسي عند بروست، فالزمن يبدأ بها وينتهي، حيث كان الناس الذين عاشوا في تلك الفترة هم موضوعه وحافزه في كتابه روايته، لأن استعادة الأحداث لا تتم إلاّ عبر التذكر، وهذا ما فعله وهو يصيغ الأحداث المتعلقة لا بذاكرة الزمان الذي عاش فيه فقط، وإنما أيضاً ذاكرة المكان (كومبيريه، تانسونفيل، باريس، البندقية)، حيث تقمّص الراوي شخصية بروست نفسه، وهو يعيش مراحل من الطفولة، المراهقة، الحبّ، الغيرة، الفن، المجتمع، والشيخوخة ليبدأ البحث المستفيض طوال هذه السنين من حياته عن المعنى من الحياة والزمن والفن، فالفن والأدب هما الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحياة، على نحو ما فعل بروست.
من خلال نقده للمجتمع الأرستقراطي الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر والعلاقات المعقدة بين الطبقات وما تنطوي عليه من غيرة وحبّ وخلافات، إلى جانب الفن والأدب يبدأ روايته بأسلوب تأملي، طويل الجمل وبتفاصيل غنية يحفر من خلالها في أعماق النفس والذاكرة مازجاً بين الفلسفة والشعر والسرد، فالراوي يتذكر طفولته في قرية كومبري عند انتظاره قبلة أمه قبل النوم، وهو بذلك كان يُعبّر عن الحب المفقود والحنين، وكذا المشهد الذي أعاد له طفولته أي مشهد قطعة كعك المادلين بعد تذوقه قطعة منها غُمست في الشاي فنجد كيف لحاسة أو لحظة أن تستحضر الماضي كاملاً، كما إنه يتذكر أيضاً قصة شارل سوان وهو صديق العائلة عندما وقع في حبّ امرأة من الطبقة الشعبية تدعى أوديت دي كريسي حيث يتحول حبه لها إلى هوس وغيرة قاتلة رغم معرفته بأنها تخدعه، ومن هنا يتوصل بروست إلى أن الحب يمكن أن يشوه الواقع ويبدد المشاعر.
كما إنه يروي حياته في مرحلة المراهقة مع جيلبرت سوان، وحبه لها ليذهب إلى مدينة بالبيك الساحلية بعد فشل هذا الحبّ ليلتقي بمجموعة من الفتيات الشابات ومن بينهن البيرتين التي ستصبح محور حبه لاحقاً وحديثه المطول عنها، مخصصاً لها حيزاً واسعاً، يصف كل ما هو دقيق وبشكل تفصيلي.
وفي رحله البحث عن الزمن ينتقل إلى العيش في باريس ويندمج في المجتمع الأرستقراطي ليكتشف بأن هذا العالم فارغ ومصطنع، فينتقد وبشكل ساخر أرستقراطية باريس التي يلمس زيفها، كما إنه يعيش مأساة مرض جدته ووفاتها، وهي من أقسى اللحظات العاطفية التي مرّ بها وأثرت عليه وأصبح غريق أحزانه حيث كانت الجدة بالنسبة له أمراً مقدساً.
يقف بروست على المثلية الجنسية، محللاً هذه الظاهرة تحليلاً عميقاً من خلال شخصية البارون دو شارلوس الذي يعيش في توتر بين رغباته والخوف من الفضيحة، حيث كانت المثلية الجنسية محرّمة اجتماعياً في فرنسا، وأثناء تعرفه بألبيرتين يبدأ في علاقة حب معها ليعيش في دوامة الشك والغيرة وعدم الاستقرار النفسي، حيث جمعت بينهما شقة بباريس ليشعر أنهما محاصرين فيها، كأنها أسيرة لديه، فتصبح تلك العلاقة خانقة لكليهما، فقد كان يغار عليها من كلّ شيء خوفاً من فقدانها، خائفاً أن تتركه، وهذا ما حصل لها في نهاية المطاف حيث تركته ورحلت بعد أن فاض بها الملل والضيق من تصرفاته غير الطبيعية، وبعد هربها تصل إليه أخبار وفاتها المفاجئة، ما يدخل بطل الرواية في حالة من الندم والحيرة ويحاول عبر ذاكرته استعادة تفاصيلها كما كانت ليكتشف بأن الحب ليس في الحاضر، بل في الذكرى وأن الزمن هو ما يمنح المشاعر معناها ويعيدها من جديد ويحولها إلى واقع.
بعد غياب طويل يعود إلى باريس أثناء الحرب العالمية الأولى ليجد بأن الناس الذين يعرفهم قد تغيّروا، وأنّ المجتمع الذي كان قد تبدل، من كانوا على علاقة به شاخوا، ومنهم من مات، ومنهم من انقطعت أخباره تماماً عنه.
يسترجع بروست من ذاكرته أمور بسيطة كمقطعة الرخام البارد وصوت ملعقة، خطوات على الحصى، ليجد بأن مثل هذه الأشياء تفتح في ذهنه بوابة نحو الماضي ليدرك بأن الفن وحده يستطيع أن يستعيد الزمن المفقود ويعيده إلى سابق عهده، ويركز بروستفي سرده المطول على حدثين رئيسيين وتاريخيين هما قضية دريفوس، والحرب العالمية الأولى، فقضية دريفوس هي واحدة من أشهر القضايا السياسية والقضائية في التاريخ الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، هزّت فرنسا، وكان لها تأثير عميق على الحياة الفكرية والأدبية في أواخر القرن التاسع عشر 1894 – 1906م
كان الفريد دريفوس ضابطاً في الجيش الفرنسي واتهم زوراً وظلماً بتسريب اسرار عسكرية إلى ألمانيا وبعد سنوات ظهرت أدلة تثبت براءته، فتشكل فريق الديرفوسيين المدافعين عن العدالة والحق ومنهم أدباء ومثقفون فأصبحت القضية رمزاً لصراع العدالة ضد التعصب والعقل ضد التقاليد، ومن جهة أخرى شكّلت الحرب العالمية الأولى خلفية تاريخية وأخلاقية لانهيار عالم قديم وبداية عالم جديد، فقدم بروست الحرب من جانب إنساني واجتماعي ونفسي، مظهراً هشاشة الحضارة الغربية من خلال تركيزه على إنّ الأرستقراطيين الذين كانوا يبدون أقوياء ورمز القوة والوجاهة وإذا بهم أصبحوا ضعفاء أو منسيين بعد ظهور طبقات جديدة أخذت أدوار الطبقة الأرستقراطية، في تجسيد لنهاية العالم القديم.
في الجزء السابع من الرواية (الزمن المستعاد) وأثناء الحرب يصيغ بروست عباراته بنغمة حزينة ذات طابع تأملي نظراً لموت شخصيات عديدة وتغيّر آخرين تغيّراً جذرياً، عندها تتلاشى الرغبات الصغيرة أمام أهوال الحرب ومآسيها، ويصبح البحث عن المعنى أهم من البحث عن المتعة، ومثلما كشفت الحرب عن قوة الإنسان في مواجهة الدمار، فإنها كشفت أيضاً كيفية استخدام البشر الوطنية لأغراض أخرى سياسية واجتماعية على حساب الآخرين.
يمكن أن نطلق على “بحثاً عن الزمن المفقود” بأنها رواية نفسية فلسفية اجتماعية، ويمتاز كاتبها بالتأمل الفلسفي العميق، حيث استطاع كاتبها الانتصار على الزمن بالذاكرة والإبداع، من خلال التأمل في الذات وانفعالاتها بين الغيرة، الخوف، الحب، الملل، الرغبة.


