محاولة لفهم النكوص العمودي

0
66

ما الذي يتغيّر في مفهوم الشعر مع التغيّر في شكل كتابته؟ يمكن لنا أن نطرح هذا السؤال تاريخيا، ونبدأ بالقول ما الذي جعل أفلاطون يطرد الشعراء من جمهوريته؟ ينطلق أفلاطون في هذا الحكم من رؤيته لمعنى الإدراك، ومعنى التأمل، أو التفكّر، فحين ينتهج الفلاسفة هذين المفهومين بواقع التراكم والممارسة والتعمّق، وبالتالي فإن الأفكار التي تلي ذلك ما هي إلا نتيجة أفضت إلى الالتماع، فإن الشاعر، لا ينظر لذلك الالتماع بهذه الطريقة، بل يرى فيها، ما يسميه (شيطان الشعر)، أو (عبقريته) أو (الوحي)، إن الشاعر لا يرى نفسه مفكرا، بل قطبا يهيئ نفسه لاستقبال أمر أو كلمة ما إلهية، وعليه فإنه يحسب نفسه كما يقول أفلاطون: (الأكثر حكمة بين البشر) ولا يتوقف عند هذا الحدّ، بل هو يسعى لتثبيت ذلك ونشره، وقد شبه ذلك الأمر بحجر هرقل (المغناطيس) الذي يجذب الآخرين لتبنّي نظرته نحو ذاته.

ربما بقي الشاعر هكذا فترة طويلة من الزمن وفي أرجاء مختلفة من العالم، بانحرافات طفيفة في الفكرة، أو تصويرها، وقد رصد العرب هذه النظرة، في مواقف مختلفة، كما رصدها القرآن الكريم في توصيفه للشعراء ومن يتبعهم، لكن ما الذي تغيّر؟ لم يبدأ التغيّر من الشكل كما قد يُتوهم، إنما حدث ذلك بتدرج متمهل في المضمون أولا، عربيا حاول مثلا بعض الشعراء الصعاليك في الزمن الجاهلي، حاولت بعض نصوص امرؤ القيس، ويمكن القول بأن لحظة الفصل بين النبوة والشعر التي أحدثها ظهور النبي محمد (ص)، أحدثت أول الشروخ في جسم هذا التصوّر، لكنها لم تلحظ إلا على المستوى الدلالي للمفردتين، (شاعر – نبي)، لكن هذا الشرخ الدلالي بدأ يكبر، ويكبر، مع ظهور مجالس تداول الشعر بعد ذلك، وبدء تشكّل نظرية بدائية للشعر العربي من خلال هذه المجالس قسمّت الشعراء إلى ما يشبه الطبقات بناء على مستوى (الإلهام) في شعرهم.

راكم اللغويون والنقاد على هذه النظرية بعد ذلك وبنوا عليها، وهذا النموّ في الشرخ الدلالي، وما نتج عنه، لم يتم بسهولة، إنما طوال تاريخ الشعر، والشعر العربي على وجه الخصوص، كان ثمة شعراء يحاولون العودة إلى الدلالة الأولى لمعنى الشاعر (الملهم/ الفحل)، واتخذ هذا الصراع الدلالي، أشكالا أخرى، منها الأخلاقية، أو القيمية، ومنها الشعوبية، ومنها القطعية، ومنها الشكلية فيما يخص أدوات البلاغة والبيان، لكن كل تلك الصراعات، التي حاولت تطوير مفهوم الشعر، أو القطيعة مع المفاهيم السابقة له، وبناء مفاهيم جديدة، كانت تنطلق من نقطة تكاد تكون خفية، هي ذلك الشرخ الدلالي بين المفردتين، أو المعنيين، ربما لذلك بالذات، كثيرا ما نظر نقاد الشعر العربي نحو شعر الحكمة على أنه قمة الشعر، وهو ما وضع الشعراء الحكماء في خانة الفحول غالبا، وكان أي شاعر يخترق هذا النموذج، إنما هو يخترق مفهوم الشعر القائم على النبوة، بل ويحاول كما يظهر ذلك جليا في شعر مثل شعر عمر بن أبي ربيعة، وبعده أبي نؤاس، الانفلات من هذا النموذج لتأسيس نموذج آخر للشعر.

حتى جاءت فترة الخمول العربية، التي ثبّتت تغلّب المعنى الأول لعقود، وما حدث أولا، حدث تاليا وإن بشكل أسرع فيما يسمى بشعر النهضة العربية، وما تلاه من مراحل، انفلت الشعر من فكرة الحكمة إلى الفكرة التي طرحها أفلاطون عن الفلاسفة، السؤال، أو التراكم في مقابل الوحي، وبمساعدة التحوّلات العلمية والمعرفية في العالم الحديث، شرع الشاعر العربي في كسر مفهوم الشاعر القطب، صار ميّالا أكثر للبحث والاكتشاف، للسؤال والبناء، لكن مع هذا، كان هنالك كثير من النكوصات نحو هذا الشاعر القطب، حتى داخل أعتى المدارس الشعرية الحديثة، سواء تحت شكل التصوّف أو تحت شكل (الشاعر الرائي) الذي استقي من نظرة رامبو للشعر، حتى جاءت قصيدة النثر اليومية، التي قدّمت الضربة الأهم للشاعر النبي، فقدّمت قصيدة الفرد العادي، المطحون، الجاهل أحيانا، المُستغفل، ذلك الشعر القائم على التواضع، في كل من الشكل والفكرة والمضمون.

هنا بلغ الشعر أقصى حدوده في القطيعة بين النموذجين (الشاعر النبي القطب) الذي يأتيه الشعر وحيًا، الحكيم القادر على اختلاق الجملة العظيمة المدهشة الفريدة، والفهم الملهم غير القابل للنقض، والشاعر (المتسائل الإنسان العادي واليومي) الذي لا يسعى في شعره لغير محاورة الأفكار والأحداث وفهمها كما يفعل أي إنسان ينظر في حياته ويقلّبها، القابل للخطأ والاستغفال، والمعرّض لسوء الفهم، أو لقلة الفهم حتى، لكن خلال عقود بسيطة بعدها، وربما بفعل شبه مقصود من أقطاب العودة نحو القيم القديمة، وبفعل الانكسارات المؤلمة في الواقع العربي أيضا، وغياب أي مشروع تحديثي يضفّر بين السياسي والثقافي والمعرفي، رأينا كيف عاد الشعر العربي سريعا، نحو القصيدة العمودية ومن قبلها التفعيلة أيضا كجسر لهذه العودة، لا كنموذج وشكل شعري قادر على حمل الحداثة، وإعطائها زخما جديدا كما يُتداول، إنما وكما هو متوقع في هذا الصراع الطويل، كعودة نحو الشاعر النبي، تلك الصيغة الآمنة من الشعر، حيث يمكن جعله قائدا، أو مسليا، حيث يمكن جعله إلهاءً أو بوقا.

في ظنّي أن فهما للشعر منطلقا من فكرة طرده من جمهورية أفلاطون، هي التي يعوّل عليها لبناء نموذج شعري مختلف، ليس في شكل القصيدة كما يتم صرفنا نحوه، إنما في بنية النظر نحو أنفسنا، أن يقول الشاعر لنفسه، أنا إنسان، ولستُ نبيا، أن يقول لنفسه، أنا جزء من الكل، لا قائد له ولا قطب ينتظر أن يدور حوله الجميع.