اليسار العالمي بين أسئلة التحوّل ومركزية فلسطين في أجندة التغيير

0
64

يجد اليسار العالمي نفسه اليوم أمام منعطف تاريخي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الأسئلة الفكرية الكبرى مع تحولات سياسية واقتصادية عاصفة، تعيد تشكيل موازين القوى وصيغ الهيمنة في العالم، وبينما تصعد النزعات القومية المتطرفة والنيوليبرالية الجديدة، وتتغير طبيعة الإنتاج والمعرفة بفعل الثورة الرقمية، يبرز تحدي إعادة تعريف الدور التاريخي لليسار وقوى التقدم، في عالم يتسارع تغيّره أكثر من قدرة القوى التقليدية على استيعابه.

لقد تراجع حضور اليسار في عدد من الساحات الدولية خلال العقدين الأخيرين، وتصاعدت التكتلات الرأسمالية العابرة للحدود، وتعمّقت التفاوتات الاجتماعية في ظل اقتصاد يقوم على احتكار التكنولوجيا والثروة والقرار السياسي، ورغم هذا التراجع، ما يزال اليسار يمتلك إرثاً نضالياً وقواعد اجتماعية وخبرات نظرية يمكن أن تؤهله لاستعادة دوره، شرط أن يتحلى بالشجاعة لطرح الأسئلة الأصعب، وأن يتجاوز حالة الجمود كي يقترب من واقع الشعوب واحتياجاتها المتغيرة.

إن طبيعة الهيمنة الدولية لم تعد تقرأ عبر أدوات الماضي، فالعالم يشهد منظومة جديدة من السيطرة تقوم على المعرفة والتقنيات والاقتصاد الرقمي، وتجعل من الدول الكبرى أكثر قدرة على فرض شروطها على الشعوب الضعيفة، وفي هذا السياق، تبدو فلسطين أكثر النماذج وضوحاً لجوهر الظلم الدولي؛ إذ لم يعد الاحتلال مشروعاً عسكرياً فحسب، بل منظومة استعمارية إحلالية متكاملة تستند إلى تحالفات وقوة تكنولوجية واقتصادية هائلة، ما يجعلها جزءاً أصيلاً من النظام الظالم الذي طالما وقف اليسار ضده نظرياً، ويفترض أن يقف ضده عملياً أيضاً.

ورغم مركزية فلسطين التاريخية لدى الحركة التقدمية العالمية، شهدت السنوات الماضية تراجعاً في التزام بعض أحزاب اليسار، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية، تحت ذرائع سياسية وبراغماتية تسعى للمواءمة بين خطاب تقدمي داخلي ومواقف خارجية أقل صداماً مع القوى المتحكمة بالنظام الدولي، غير أن هذا الانكفاء لم ينجح في طمس مكانة فلسطين في وجدان الشعوب، فقد شهد العالم خلال العامين الماضيين موجات واسعة من التضامن الشعبي، خاصة بين الأجيال الجديدة والنقابات العمالية وحركات العدالة الاجتماعية والطلابية، التي رأَت في النضال الفلسطيني تعبيراً مكثفاً عن صراع الحرية ضد القمع، والعدالة في مواجهة الاستعمار والاستغلال، وهذا يكشف أن اليسار الحقيقي هو من يتماهى مع هذه القيم ويترجمها، لا من يتخلى عنها أو يعيد تأويلها لخدمة حسابات سياسية ضيقة.

أما اليسار العربي، فهو يواجه بدوره تحديات مركبة تتمثل في سلطات استبدادية تعيق الحياة الديمقراطية، وفي اقتصادات هشة تابعة للمركز الرأسمالي، إلى جانب التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية التي استنزفت مجتمعات المنطقة، ومع ذلك، فإن أي مشروع للتحرر الوطني والاجتماعي في العالم العربي لا يمكن أن يكتمل دون دور فاعل للقوى المدنية والتقدمية، القادرة وحدها على الربط بين مواجهة الاستبداد الداخلي ومقاومة الاحتلال والصهيونية، وفي هذا السياق، تبقى فلسطين العامل الكاشف لصدقية القوى السياسية العربية؛ فمن يقف مع حرية الشعب الفلسطيني يقف عملياً مع حق الشعوب كلها في التحرر، ومن يبرر الاحتلال يسقط في اختبار القيم ويكشف حدود مشروعه.

إن دعم فلسطين اليوم يتطلب انتقال اليسار العالمي والعربي من التضامن التقليدي إلى شراكة نضالية حقيقية، تشمل العمل السياسي والدبلوماسي الشعبي الضاغط، وتوسيع حركة المقاطعة باعتبارها أداة فعالة في مواجهة نظام الاحتلال، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني عبر دعم مجتمعه واقتصاده ومؤسساته الوطنية، كما يشمل ذلك تفكيك الرواية الصهيونية التي جرى ترسيخها لعقود في الإعلام والمناهج والفضاءات الرقمية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الأممية بوصفه أداة لتوحيد نضالات الشعوب ضد الاستعمار والاستغلال أينما وجد.

إن فلسطين ليست قضية محلية، بل جزء من معركة كونية ضد بنية هيمنة لا تتورع عن سحق حقوق الشعوب في سبيل مصالحها، ولهذا ستبقى معياراً أخلاقياً وسياسياً لاختبار صدقية أي حركة يسارية أو تقدمية، فالقضية الفلسطينية بما تمثله من مقاومة وإصرار إنساني على الحق، تختصر جوهر المعركة التي يراها اليسار بين قوى الظلم وقوى الحرية، بين من يصنع الجدران ومن يصرّ على هدمها.

واليوم، وسط عالم يتغير بوتيرة متسارعة، تتكثف أهمية دور اليسار في إعادة وصل نضالات الشعوب ببعضها، وفي إعادة تعريف مشروعه عبر الوقوف في صف الحرية والعدالة والمساواة، ووضع فلسطين في قلب أجندة التغيير، فالمستقبل لن يكون للأقوى، بل للأقدر على الدفاع عن إنسانية الإنسان، وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الاحتلال والاستغلال، وهو ما يجعل من دعم فلسطين واجباً فكرياً وسياسياً، لا خياراً ولا شعاراً موسمياً.