قصة جائزة الفيفا للسلام ليست حدثًا عابرًا، وليست مجرد نكتة سياسية بغطاء رياضي، بل هي مرآة لمشهد أكبر بكثير، مشهد يراه الجميع في كل أنحاء العالم، عنوانه “مشهد المعايير المقلوبة”. يحدث هذا في زمنٍ تُميّع فيه المواقف، وتُباع فيه الكلمات أكثر مما تُصنع الحقائق، زمن صار العنوان أهم من المحتوى، ولذلك لم يعد مستغربًا أن تطلق أبرز جهة كروية عالمية، وهو الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” جائزة جديدة ولأول مرة في تاريخه باسم “جائزة الفيفا للسلام”، لكن ما أثار الذهول هو أن أول نسخة منها ذهبت إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب..!
قد يبدو لمن ينظر من بعيد أن الجوائز الدولية تُبنى على مبادئ السلام، الإنسانية، المساهمة الحضارية، وحماية الضعفاء، لكن من يقترب قليلًا يرى الحقيقة التي لا تُقال. الجوائز في هذا العصر لم تعد تتعلق بالقيم، بل بالسياسة، واعتبارات قد لا تؤخذ في الحسبان، وما بين جائزة نوبل للسلام وجائزة الفيفا للسلام تنامت فجوة لا يُمكن تجاهلها، بين الاسم المعنى، بين الرمز والواقع، بين ما يجب أن تكون عليه الجوائز وما أصبحت عليه اليوم.
هناك من لم يُخفِ يومًا رغبته في وضع اسمه بجانب “نوبل”. الرئيس الأمريكي ترامب فعل ذلك، كان يكرر ذلك علنًا، واشتكى من عدم منحه الجائزة، ويصرّ على أنه يستحقها، ولكن معيار نوبل، بالرغم من كل ما يُقال عنه، لم يستطع أن يتجاهل الحقيقة: لا توجد مبادرة واحدة يمكن تصنيفها كإنجاز سلام عالمي حقيقي، ولا توجد سياسة بنت ما يمكن وصفه بـ “سلام مستدام”، وبينما لم يجد العالم سببًا يبرر ترشيحه لنوبل، ظهر مسار آخر، مسار الجوائز السهلة التي تُصنع عبر العلاقات والضوضاء الإعلامية، والتي لا تحتاج إلى سجلٍّ أو مبدأ، بل إلى نفوذ، وهكذا ولدت “جائزة الفيفا للسلام”، وذهبت مباشرة إليه.
هناك من سأل: هل أُريد بهذه الجائزة شراء رضا ترامب؟، وهناك من أجاب بنعم وبكل وضوح، فالجائزة تبدو أقرب إلى صفقة علاقات منها إلى تكريم أخلاقي، رسالة تقول: “نُثمن حضورك، ونحتاج نفوذك، وهذا تكريم يساعد على تلميع الصورة”، والمفارقة أنه ليس صدفة أن تمنح هذه الجائزة في وقت تعاني فيه الفيفا نفسها من أزمات سمعة، ومن سجل طويل من الملفات الرمادية فتأتي لتزيّن نفسها بورق السلام، وتزيّن غيرها معها، لكن الشعوب لم تعد غافلة، تعرف أن السلام لا يُشترى، وأن الجائزة لا تصنع تاريخًا، ولا تغيّر سجلًا ثقيلًا.
أمر مهم توقف عنده محللون كثر، هو أن هذه الجائزة ليست حدثًا منفصلاً، هي جزء من نظام عالمي inverted من الداخل، نظام أساسه من يملك النفوذ يُسمّى صانعًا للسلام، من يملك القوة يُسمّى راعيًا للقيم، من يقتل يُمنح فرصة للظهور كمصلح، ومن يُقتل يُنسى.
هذه المعايير المقلوبة هي الخطر الحقيقي، وليست الجائزة ذاتها، فعندما يصبح العنوان أهمّ من الحقيقة، وعندما تصبح الجوائز وسيلة لتجميل السجلّات والانتهاكات والفظائع وكل المنكرات، وعندما تتحول المؤسسات الدولية إلى مكاتب علاقات عامة، فهذا يعني أن العالم يعيش حالة انهيار أخلاقي معلَن.
أكبر فضيحة للجائزة ليست في اسم الفائز، بل في التوقيت فكيف تُمنح جائزة سلام بينما غزّة تحترق؟، والمدنيون يُقتلون بلا حماية، والموقف الأمريكي لا يحتاج الي توضيح، بينما القانون الدولي يُسحق، والمنظمات العالمية منها من اكتفى بالمراقبة بصمت، ومنها من تبنى مواقف لا تقدم ولا تؤخر، ومنها من ظهر وكأن لا شيء يثبت أنها حية، ولا شيء يثبت أنها ميّتة، تماماَ كما هي حال جامعتنا العربية!
الجائزة لا علاقة لها بالسلام، بل لها علاقة بالمصالح والتسويق السياسي، وغزة كانت ولا تزال الامتحان الذي سقط فيه الجميع، سقطت المبادئ، وسقطت الجهات التي تتحدث عن السلام بينما تحجب أعيُنها عن الحقيقة. علينا أن ننتبه بأن العناوين البراقة لا تطمس واقعًا بل تفضحه. الناس اليوم لا تشتري العناوين، ولا تقتنع بالتزيين، ولا تصدق التصريحات الفاخرة، فالناس يفهمون من يخدم القيم، ومن يخدم نفسه، من يصنع السلام ومن يصنع الفوضى، من يستحق التكريم ومن يستحق المحاسبة.
لماذا تتحول الجوائز إلى أدوات سياسية؟، هذا السؤال طرح على نطاق واسع، وجرى تداول الأسباب ويمكن تلخيصها، او تلخيص أهمها في: النفوذ أقوى من المبدأ، الصورة أهم من الحقيقة، والمؤسسات الدولية ليست بمنأى عن المصالح حتى تلك التي تتشدق بالقيم، بات عصر العلاقات العامة يطغى على عصر المبادئ، وكل شيء قابل للتجميل ما دام هناك دوافع وأهداف ومصالح وأموال ومنصات وأضواء.
المؤسف جداً ان ذلك يحدث في زمن يشهد فيه بشاعات وصور من التوحش والهمجية بشكل غير مسبوق، يقتل فيه المدنيون بلا حدود، وبلا حماية على النحو الذى جرى ولا زال يجرى في غزة خصوصاً، وفى بعض مناطق السودان، وربما في بلدان أخرى، زمن انهار فيه الخطاب الإنساني أمام أول امتحان حقيقي، فتأتي جائزة سلام لتُمنح لرئيس لا علاقة لقراراته ولا مواقفه بالسلام، وكأن العالم يختبر مدى ما يستطيع الناس تحمّله من عبث، وهنا يمكن القول وبمنتهى الثقة ان غزة لم تسقط المجرمين فقط، بل أسقطت المحايدين وأسقطت المتواطئين، وأسقطت الجوائز التي تتجمّل باسم السلام، فلا يمكن لأي جائزة أن تقنع العالم بأن ثمة سلامًا بينما الحقيقة ، بل جملة من الحقائق تتدفق وتُنقل على الهواء مباشرة.
نختتم بالقول، من نوبل إلى فيفا، من تكريمات الأمم المتحدة إلى منصات الرياضة، وغيرها، أصبح واضحًا أن القيم لم تعد معيارًا، والإنجاز الحقيقي لم يعد شرطًا، والسلام أصبح كلمة تُستخدم أكثر مما تُمارس، والجوائز أصبحت أدوات لسياسة لا علاقة لها بالمعايير ولا بالأخلاق، وفي عالمٍ متشابك بهذا الشكل، لم يعد السؤال “من يستحق هذه الجائزة او تلك، بل أصبح السؤال الحقيقي “من يستحق أن يصدّق هذه الجوائز ؟!”، فالحق لا تمنحه مؤسسات او هيئات معينة، دولية أو إقليمية أو محلية، ولا تصنعه الجوائز، ولا الأوسمة، ولا الشهادات الدعائية إياها، ولا تبررّه المنصات، ولا مؤتمرات البهرجة التي يصرف عليها الأموال الطائلة ومخرجاتها لا شيء، ولا الاجتماعات الشكلية التي حصيلتها بيانات تدور فى فلك: أكدّ ، وشدّد، وناشد، ونفي، وأوضح، وطالب، ولفت، ونبّه إلى آخر القائمة، وننسى انّ الحق تصنعه المواقف، وتحميه التضحيات، ويوثقه التاريخ.


