اتساع دائرة البطالة بين الشباب وضعف المعالجات الرسمية

0
128

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على الإعلان عن مبادرة تخصيص ثلاث فرص عمل للعاطلين عن العمل، والتوجيه الصادر من سمو ولي العهد إلى وزارة العمل بضرورة الجدية في تنفيذها، وهى المبادرة التي أعلن العديد من أصحاب الأعمال والشركات الكبرى دعمهم لها واستعدادهم بتزويد المنصة الوطنية بعدد من تلك الفرص. لتلحقها الوزارة بمبادرة أخرى تحت مسمى «دعم العمل الحر»،  والتي تهدف إلى تشجيع الباحثين عن عمل على التوجه لفتح مشاريعهم الخاصة، بدعم مالي من «تمكين» قدره 200 دينار شهرياً لمدة عام واحد.

ورغم حداثة الإعلان عن كلتا المبادرتين، انهالت تصريحات الإشادة الواسعة بهما من عدد غير قليل من المسؤولين، ولا سيما من أعضاء السلطة التشريعية، دون التريّث وانتظار مرور فترة زمنية كافية تتيح الحكم الموضوعي على مدى نجاعة وجدية آليات تنفيذ المبادرة الأولى، أو تقييم قدرتها الفعلية على المساهمة في معالجة مشكلة البطالة المتنامية. وكذلك الحال بالنسبة للمبادرة الثانية، حيث سرعان ما اتضح ضعف أثرهما من خلال ندرة وقلة عدد ونوعية الفرص التي أعلنت عنها الشركات الكبرى وأصحاب الأعمال، والتي لا تتناسب مع الأعداد الكبيرة للعاطلين عن العمل، فضلاً عن عدم وضوح مدى توافق تلك الفرص مع مؤهلات وخبرات الباحثين عن عمل. وهو ما دفع عدداً كبيراً من النواب، في مداخلاتهم وتصريحاتهم اللاحقة، إلى توجيه انتقادات حادة للسياسات والممارسات والخطط والإجراءات الرسمية المعتمدة في معالجة ملف البطالة.

ففيما يتعلق بالمبادرة الأولى، ورغم جدية التوجيه الصادر بشأنها، إلا أن ما شهده الجميع، لا سيما محدودية عدد الفرص المعلن عنها مقارنة بأعداد العاطلين، لا يوحي بإحداث تغيير جوهري أو نقلة نوعية في معالجة هذا الملف المعقد، والذي تبدو الأجهزة الرسمية، وفي مقدمتها وزارة العمل، عاجزة عن مواجهته إلا عبر التصريحات. وهو ما يشتكي منه عدد من النواب، وقبلهم أصحاب الشأن أنفسهم، أي الباحثون عن عمل، الذين يؤكدون عدم توافق تلك التصريحات مع واقعهم المعاش، خاصة في ظل الإعلان عن تفشي البطالة طويلة الأمد بين عشرات الآلاف الباحثين عن عمل.

أما عند التمعن في المبادرة الثانية، التي يتم من خلالها تشجيع وتوجيه الباحثين عن عمل إلى ما يسمى «العمل الحر»، فإن الواقع يكشف أنها في جوهرها تدفعهم نحو قطاع العمالة غير المنظمة والهامشية وغير المستدامة. فبدلاً من إدماجهم في القطاع المنظم والإنتاجي، وفي ظروف تضمن لهم حياة مستقرة وكريمة، يتم دفعهم إلى أعمال لا توفر لهم، في أحسن الأحوال، سوى الحد الأدنى من البقاء المعيشي، مجردين من أي حماية أو حقوق عمالية. إذ يعملون بساعات غير محدودة، وبدون أي مظلة قانونية تضمن حقوقهم في التأمين الاجتماعي، أو التأمين ضد البطالة والمرض، أو الإجازات المختلفة. وهو ما يتعارض بوضوح مع ما يُعلن من توجهات ضمن برنامج عمل الحكومة في هذا الشأن، ويتناقض مع أهم مبادئ التنمية المستدامة.

ويجري إطلاق هذه المبادرات بالتوازي مع الإعلان المتكرر عن أرقام وصفها بعض أعضاء مجلس النواب بـ«الفلكية» في مجال التشغيل، والتي يعلن عنها مسؤولو وزارة العمل بين فترة وأخرى، في وقت يواصل فيه سلم البطالة صعوده كماً ونوعاً.

فدائرة البطالة في البحرين لم تتوقف عن الاتساع خلال السنوات الماضية، لتغدو اليوم أكثر خطورة واتساعاً مع استمرار تعاظم معدلاتها ونوعيتها بشكل غير مسبوق. إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد العاطلين عن العمل بلغ في نهاية عام 2024 نحو 17,400 باحث عن عمل، وبنسبة رسمية قدرها 6.2%، ترتفع لدى النساء إلى أكثر من 10%. كما تُظهر الإحصاءات ذاتها أن ما يقارب 59% من المتعطلين عن العمل هم من حملة الشهادات العليا، في حين تبلغ نسبة البطالة بين حملة الثانوية العامة 26.6%. وتسجل أعلى نسب البطالة بينهم في الفئة العمرية 25–29 سنة، حيث تصل إلى 32.2%.

ورغم النص الدستوري الذي يكفل حق المواطنين في العمل، ورغم إطلاق عشرات البرامج والمشاريع المتعلقة بالتشغيل ومحاربة البطالة، إلا أن تلك البرامج والمشاريع لم تُفضِ إلى أي تطور ملموس، الأمر الذي يستدعي البحث الجاد عن الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة ومواجهتها بشفافية ودون مواربة.

وتكمن جل هذه الأسباب في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة في إدارة سوق العمل، وما يعتريها من خلل هيكلي، لا سيما في ظل التنامي المستمر لأعداد العمالة الأجنبية، مقابل اتساع القطاع غير المنظم. ويضاف إلى ذلك ما يثير الشكوك حول عدم مواءمة مخرجات التعليم، وفشل برامج التدريب المهني، فضلاً عن إخفاق برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، التي لم يكن لها من أثر يُذكر سوى تعميق المشكلة واتساعها، فمعظم الاعمال المسنودة للقطاع الخاص تتولاها العمالة الوافدة، وتستمر الحلول في دائرة المراوحة دون تحقيق أي تقدم حقيقي.