الثقافة بوصفها مشروعاً مؤجلاً

0
38

في كل مرة تُعلن فيها إجراءات تقشف، تكون الثقافة أول الضحايا. لكنّ الحقيقة أن ما نؤجّله في كل مرة ليس فعالية أو مهرجاناً، بل مشروع وعيٍ كامل.

كثيراً ما تُوضع الثقافة في ذيل القوائم. فعندما تضيق الموازنات وتُرفع شعارات التقشف، تكون أول بنود الحذف هي المهرجانات والبرامج الثقافية ودعم الجمعيات والمبدعين. تُعامل الثقافة وكأنها ترف يمكن تأجيله، لا كضرورة وطنية. وقد انعكست هذه النظرة القصيرة المدى بوضوح على المشهد العام: الفعاليات أصبحت موسمية ومحدودة، والمشهد الثقافي فقد نبضه المستمر، حتى إن معرض الكتاب – الذي كان يوماً أحد أبرز التظاهرات الثقافية في البحرين والمنطقة – غاب عن أجندة الفعاليات منذ سنوات، تاركاً فراغاً يصعب تجاهله.

الثقافة ليست نشاطاً فنياً أو ترفاً جمالياً، بل هي في جوهرها فعل حرية. فهي لا تزدهر إلا حيث تزدهر حرية الرأي والتعبير، وهذه بدورها لا تقوم إلا على أساس ديمقراطي يضمن حق الجميع في المشاركة وصون الكرامة الإنسانية. الثقافة هي المدرسة الكبرى التي يتعلم فيها الناس كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يتحاورون دون أن يُقصوا أحداً. إنها الامتحان الحقيقي لمدى نضج المجتمعات، لأن الإبداع لا يعيش في ظل الخوف، ولا يثمر في مناخ الإقصاء.

وحين تتسع المساحة الثقافية، تتسع بالضرورة مساحة الديمقراطية، ويزدهر الحوار الذي يرفع الوطن فوق الخلافات، ويجعل اختلاف وجهات النظر مصدر ثراء لا سبباً للفرقة. فالثقافة ليست نشاطاً جانبياً، بل الوجه الحقيقي للديمقراطية، والمقياس الأصدق لمدى ثقة الوطن بنفسه.

ليس المطلوب أن تُغدق الميزانيات على الثقافة، بقدر ما هو مطلوب أن تُعاد إلى مكانها الطبيعي في الوعي الوطني. فالثقافة ليست بنداً للزينة في نهاية القوائم، بل هي البند الأول في بناء مجتمع متماسك يعرف كيف يصغي ويعبّر ويختلف دون أن ينكسر. وحين نعيد الاعتبار للثقافة، فإننا لا نخدم المبدعين وحدهم، بل نصون وعينا الجمعي ونؤمّن للوطن مناعة فكرية في وجه الانقسام والتعصب والركود. فالأوطان التي تؤجّل ثقافتها، تؤجّل مستقبلها أيضاً