الخط الأمامي الرقمي: الشباب، التكنولوجيا، وإحياء الوعي العالمي
كيف أصبح الهاتف موثقاً للحق والبث المباشر إلى سلاح في وجه التعتيم الممنهج، وكيف أعاد الشباب تعريف مفهوم النضال والمقاومة والوعي في زمن الخوارزميات والتكنولوجيا.
سنحاول أن نستكشف هذا الجيل لا كظاهرة مؤقتة، بل كامتداد لجذور محلية وعالمية نضالية قديمة، وأن نرى كيف استطاع الشباب أن يجعلوا من التكنولوجيا منبرا للذاكرة، ومن الشاشة ساحة للنضال الإنساني، وسننطلق من فلسطين، من غزة بالتحديد، حيث تحولت المعاناة إلى مدرسة للإبداع، والصمود إلى ظاهرة عالمية، كما سنحاول قراءة أوسع: كيف أثر هذا الوعي الرقمي في العالم، وكيف يمكن للأجيال أن تتكامل، لتبقى القضايا الحقيقية حيّة في ضمير الإنسان العربي والعالمي بشكل عام.
الشهادة في العصر الرقمي
في هذا العصر، يمكن للمشاهدة والحديث عبر الهاتف ألا تكون مجرد تمضية للوقت بل عمل مقاومة، وخصوصاً للشباب الذين حملوا كاميراتهم وهواتفهم ليكونوا شهوداً وموثقين لما لم تجرؤ الوسائل التقليدية المقيّدة والمشتراة على نقله.
عندما بدأت الإبادة في قطاع غزة، لاحظنا أنّ غياب المراسلين الأجانب والصحفيين العرب لم يمنع الحقيقة من الانتشار؛ بل بالعكس، استطاع شباب الصحافة هناك أن يجعلوا من هواتفهم أدوات كشف وتوثيق يومية. أصبح الفيديو القصير والتصوير المباشر والاعلام اللحظي أدوات في خدمة الحق والقضية.
لكن في المقابل تبينت ظاهرة مهمة: تحيّز وسائل الإعلام التقليدية، تلك التي كانت تُعد “رسمية” في تغطيتها للنزاع الفلسطيني والاحتلال الصهيوني. دراسة وجدت أنه في تغطية الصحف الأميركية، لكل وفاة إسرائيلية مقالة، كان هناك ما يعادل “واحدة لكل أربع وفيات فلسطينية” في بعض المنافذ.
ويبيّن في تقرير آخر أن 76٪ من المقالات على الإنترنت تصنّف الابادة كـ “حرب إسرائيلية ضد حماس” بينما فقط 24٪ ذُكر فيها كلمة “فلسطين/ فلسطيني” بوضوح.
وهذا دليل على أنّ الشباب ليسوا فقط ناقلين للمشهد، بل كاشفين للحقيقة والتزييف الإعلامي، لأنهم تكيفوا مع الواقع، الذي يتطلب استخدام ذات الادوات المستخدمة من قبل العدو ولكن بطريقة سريعة وواضحة، بالرغم من انقطاع الشبكات والتيار الكهربائي المتكرر.
من الشوارع إلى الشاشات
في الماضي، كان النضال والتنظيم يُرى في الشارع بشكل اوسع: مسيرات، بيانات مطبوعة، صحف تُوزّع يدوياً، إذاعات محلية تنقل الصوت في اوقات محددة، أما اليوم فالنضال انتقل إلى الخوارزميات، الهاشتاغات، المنشورات الرقمية، والبثّ المباشر، ليس لأن الوسائل القديمة سيّئة بل لأن الواقع تغير، ولذلك الطريقة تغيّرت أيضاً.
حين كانت الصحف والمحطات تنتقي الصور أو الكلمات، ظهرت هواتف محمولة في يد أكثر من كاتب/ صحفي في غزة، ببث مباشر يشاهده آلاف عبر إنستغرام/تليغرام، فيديو مدته 60 ثانية على تيك- توك ترجمته جماعات داعمة ومنظمات عالمية، حيث أدرك الشباب أن السرعة، الترجمة الفورية، والتوثيق البصري/ الرقمي تكلّف أقل من تفعيل مكاتب وشركات صحافة كبيرة لكن تأثيرها أكثر صدى.
على سبيل المثال، يؤكد تقرير “أن وسائل الإعلام التقليدية كثيراً ما تجاهلت سرد الفلسطينيين أو التاريخ، بينما وسائل التواصل الاجتماعي ملأت هذا الفراغ بقيادة جيلي “”زد” والألفية.
ليس مطلوباً اليوم أن تُنشر مقالة في صحيفة مطبوعة فقط، حيث يمكن لمضمونها ان يختصر إلى “Reel” مدته 30 ثانية، عليها نص عربي- إنجليزي، وينشر كرابط في رسالة واتساب او كمنشور آخر على وسائل أخرى.
بينما الإعلام القديم يعمل وفق إطار “مراسلين ميدانيين ومكتب رئيس التحرير ثم بث/ طباعة، فإن وسائل الشباب أصبحت “هاتفاً محمولاً، ثم نشر مباشر يلقى انتشاراً عالمياً في دقائق، والترجمة أو مهمة تضخيم الصوت تكون عبر منظمات شبابية عالمية وشبكات حقوقية داعمة.
وهكذا، تحوّلت المنصة إلى أداة نضال بذاتها، والـ “هاشتاغ” أصبح شعاراً ينشئ حركة وينظم الاحتشاد.
حالة غزة – الابتكار تحت الحصار
عندما نتحدّث عن غزة، فإننا لا نتكلم فقط عن منطقة تحتِ القصف، بل عن مختبر لابتكار المقاومة الرقمية تحت أبشع أشكال الحصار والتجويع والابادة، وإليكم بعض الأرقام التي تعبّر عن الواقع، فحسب تقرير، بلغت نسبة الأسر التي تمتلك هاتفاً جوالاً في غزة 97.3٪، أما نسبة الأسر التي تصل إلى الإنترنت فقد بلغت 72.7٪.
شبان وفتيات من غزة أخذوا كاميراتهم أو هواتفهم، وصاروا يُعدّون فيديوهات ويشاركونها عبر تيليغرام، إنستغرام، تيكتوك، حتى في أوقات انقطاع الكهرباء، فلم تكن هذه الصحافة الشعبية أو “صحافة المواطن” بديلاً فقط، بل أصبحت النافذة الوحيدة للعالم لمعرفة ما يحصل.
وعند انقطاع الإنترنت أو الكهرباء، تم اللجوء إلى حلول بديلة: كاستخدام بطاريات سيارات او لوائح الطاقة الشمسية لشحن الهاتف، أو استخدام شبكات بديلة تعتمد على الشرائح الرقمية او e-SIMs تُمكّنهم من الاتصال.
وتمّ توظيف وسائل بسيطة: مقطع فيديو مدته 60 ثانية، صورة بعدسة هاتف، تعليق على تويتر أو تيكتوك، ستوري على انستجرام، وبهذا تحوّلت رسالة المقاومة إلى خوارزمية، إلى هاشتاغ، الى منشور، إلى حركة.
ورغم ذلك واجه شباب غزة وهم يبدعون وسائلهم، مشكلات ضخمة: مراقبة الاحتلال الرقمية، الاستهداف عبر اختراق الهواتف، قانون جرائم إلكترونية، انقطاع متكرّر للاتصال، ومخاطر عالية على السلامة الرقمية، حيث وجدت دراسة للمركز العربي لتطوير وسائل الإعلام أن 70٪ من الشباب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة يمارسون الرقابة الذاتية على الإنترنت خوفاً من الملاحقة.
في الجانب الآخر، كانت وسائل الإعلام التقليدية غالباً تُغطي الأحداث بوجهة نظر تميل إلى تسميات مثل “حرب إسرائيلية – حماس” أو “عملية عسكرية” بحيادية زائفة، متجنّبة ذكر الاحتلال أو الابادة المثبتة أو الموثقة أو العدوان بصورة واضحة. وهذا خلّف فراغاً أخلاقياً وإعلامياً استغله الشباب.
الشباب كجسور
إنّ ما بدأ في غزة لم يبقَ محليّاً. بل تحوّل إلى موجة رقمية عالمية، تقودها جيل Z، الشباب الذين ولدوا في عصر الإنترنت والهواتف الذكية، وهم اليوم يُعيدون تشكيل المشهد السياسي العالمي، ففي تحليل حديث وُجد أنّ شباب الجيل Z أصبحوا “وسائط بديلة” للصحافة التقليدية، خصوصاً في تغطية فلسطين، فيما ذكر تقرير آخر أنّ في الشرق الأوسط وأفريقيا، شباباً كثيرين قالوا بأنهم “تعلموا عن فلسطين من تيك- توك أكثر مما تعلموا في الصف الدراسي”.
وتشير الإحصاءات إلى أن أوروبا ووسط آسيا استضافتا حوالي 17٪ من نحو 48,000 مظاهرة مؤيدة لفلسطين خلال السنتين الماضيتين، بعد الشرق الأوسط بـ 46٪.
فبينما يقدّم الإعلام القديم غالباً سرديّة واحدة، فإن الشباب على المنصّات لم ينتظروا الموافقة: استخدموا تيك -توك، إنستغرام، رِيلز، حتى بثّ مباشر عبر Omegle، لمواجهة الحصار الإعلامي، ويظهر هذا النوع من المواجهة الرقمية أن الشباب ليس فقط مستهلكاً للمعلومات، بل مُصحّحاً للسرد، مُعيداً تعريف منصة الحقيقة.
وربط شباب جيل Z قضيتهم بقضايا عدالة اجتماعية أوسع: من المناخ إلى حقوق الإنسان إلى العدالة العرقية فهم يرون أن احتلال فلسطين ليس حالة معزولة بل جزء من “بُنية عالمية للهيمنة”.
عبر المنصّات، غدت الكلمات مثل “الاحتلال” و“الاستعمار” و“الفصل العنصري” مفهوم أوسع، ليس فقط من الناحية الفلسطينية، بل من منظور جماعي عالمي، ومثال ذلك حراك شباب الجامعات في الولايات المتحدة ودول أوروبا حيث احتشد الطلبة للمطالبة بسحب الاستثمارات من إسرائيل واحتلال مباني جامعية تضامناً مع غزة.) التحدّيات التي ترافق هذه الموجة
وبالرغم من النجاح، هناك حدود: بعض الباحثين يحذّرون من ظاهرة “النقر كمقاومة”، والشعور بأن الإعجاب والمشاركة = التغيير، كما أنّ الشركات الضخمة للمنصّات، والخوارزميات، والرقابة تُشكّل عائقاً. على سبيل المثال، شباب فلسطينيون اشتكوا من حدّ خفي في الوصول أو حذف منشوراتهم.
الأجيال في حوار
يتعين الربط بين ما بنته الأجيال السابقة وما تحاوله الأجيال الجديدة، ففي منطقتنا، هناك جيلٌ سبقنا: ناشطون معروفون، اتحادات، منظمات ومؤسسات مدنية، إعلام تقليدي، لقد حملوا شعلة النضال في مسارات كان فيها خيار التضامن والمواجهة يُعدّ من الأخطر اليوم جيلنا يمتلك وسائط مختلفة، أدوات رقمية، سرعة اتصال، قدرة على الانتشار العالمي لا تحتاج إلى محطة تلفزيونية أو صحيفة مطبوعة.
لكن هناك فجوة ليس بسبب رفض أو مقاومة، بل لأن المنصّات، اللغة، وسرعة التغيير تغيّرت. ما كان يُقرأ بفنجان شاي أصبح يُشاهد في ريلز لمدة 30 ثانية. ما كان يُناقش في ندوة مطبوعة أصبح بثاً مباشراً على إنستغرام.
وهنا تكمن الفرصة: أن نُحوّل التواصل إلى شراكة. أن نكون جسراً بين الخبرة والابتكار. بين الموقف الذي طوّره السابقون، والوسائل والخبرات المتوفرة اليوم.
ومن الاقتراحات التي يمكن الاخذ بها بهذا الصدد:
- إنشاء «حلقات توجيه» بين ناشطين قدامى وشباب منشئي محتوى رقمي حيث الخبرة تُشارك، والتجديد يُحتضن.
- تنظيم برامج تدريب مشتركة: مثلاً ورش رقمية للشباب بقيادة خبراء إعلاميين محليين، حول «نقل الرسالة» عبر وسائل التواصل، مع الحفاظ على عمق المضمون.
- إطلاق مبادرات لغوية وتقنية، هدفها ترميم أرشيفات الحركات القديمة وتحويلها إلى محتوى مرئي/ مسموع للشباب، مع دعمهم لابتكار أدوات جديدة (البودكاست، الريلز، الإنفوغرافيكس).
- تكوين شبكات محلية تنبثق من المؤسسات القائمة (مثل المنبر التقدّمي) تُفتح للشباب كمنصّات صياغة وتوجيه، لا فقط كجمهور.
هذا التعاون مهم لأن المضمون بدون وسيلة بلا فعالية، والوسيلة بدون مضمون تصبح سطحية، ولأن الشباب اليوم يُريدون أن يُشاهدوا أن الحركة ليست مجرد كلمة، بل عملية تعليم وابتكار مستمرّ، ولأن الأجيال السابقة تمتلك ذاكرة المقاومة، أدوات التنظيم التقليدي، وفهم الأُسس وكلّ هذا يمكن أن يُستثمر في لغة العصر الرقمي.
تحويل الوعي إلى عمل
لا نريد أن تبقى المعرفة مجرّد منشوراتٍ أو وعيٍ فرديّ؛ نريد أن تتحول إلى مشاريع دائمة تُغذّي الاستمرارية وتُحصّن الذاكرة الجماعية، ما يتطلب تحويل الفعل الرقمي إلى العمل المجتمعي، ومن الاقتراحات المفيدة؛ إقامة ورش تدريبية داخل مؤسسات المجتمع المدني تُعلّم الشباب كيف يميّزون الأخبار الزائفة، وكيف يحمون روايتهم من التحريف الرقمي، وهذا ما تؤكده بعض التقارير التي أشارت إلى أنّ البلدان التي دمجت التربية الإعلامية في التعليم الثانوي شهدت انخفاضًا بنسبة 38٪ في انتشار الأخبار المضلّلة، ما يعني أن المعرفة التقنية ليست كمالية، بل دفاع عن الحقيقة، وكذاك اقامة مختبرات للتضامن الرقمي لتكون مساحات يجتمع فيها الشباب والنشطاء القدامى لابتكار محتوى توعوي مشترك: ترجمة مقالات عربية إلى لغات أخرى، إعداد فيديوهات قصيرة، وتوثيق الشهادات الفلسطينية، وبهذا يتحول الفعل الرقمي من تفاعل فردي إلى عمل جماعي منظم.
ويجب أن يتوسّع الحراك من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، عبر حملات مقاطعة منظّمة، معارض فنية، أمسيات تضامن، نشر القصص الإنسانية من غزة والعالم العربي بلغات مختلفة، وقفات تضامنية، توقيع العرائض، دعم الدعاوى المرفوعة لدى المؤسسات الدولية وملاحقة المعتدين اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، كما يجب ان نستثمر في القدرات الشبابية من ناحية التعليم المهني الذي يصب في تطوير الشعوب وتحسين قدراتهم العملية في مجالات العلم والطب والهندسة وغير ذلك، كما يجب الاستمرار في الضغط على قيادات العالم لتطبيق العدالة العالمية والقانون الدولي.
مستقبل الوعي
لقد أصبحت فلسطين اليوم لغةً مشتركة بين الأجيال، بين من حمل الراية في الميادين بالأمس، ومن يرفعها اليوم على شاشات العالم. ما فعله جيل غزة لم يكن فقط نقل الحقيقة، بل توسيع معنى الإنسانية
جعلونا نرى أن المقاومة ليست فقط بالبندقية، بل بالكلمة، بالكاميرا، بالاتصال، وبالإصرار على أن “الحقّ لا يُطمس.”
وفي هذا، نُدرك أنّ المستقبل ليس لنا وحدنا، بل لكلّ من يختار أن يشهد ويُشارك ويُعلّم.
فلنجعل من هذا الوعي جسرًا لا ينقطع بيننا، بين من زرعوا الوعي بالأمس، ومن يسقونه اليوم، ومن سيحصدونه غدًا.
*ملخص ورقة قدّمتها الكاتبة في ملتقى التقدمي الأسبوعي بتاريخ 21/12/2025


