شهادات في المهب وأطباء بلا مستشفيات

1
110

هل آن أوان إطلاق برنامج العبور الوطني؟

من الإيمان المطلق الذي لا يتزعزع والذي يشهد به منطق التاريخ وروح الحضارات أرى أن قوام كل أمة ترجو بلوغ ذروة المجد ورفعة التقدم ليس كامنًا في خزائنها العامرة بالنفط والذهب البراق التي قد يجف معينها أو يخبو بريقها تحت سطوة التقلبات، بل يكمن في ثروتها البشرية المدربة.. تلك الينابيع الصافية من العقول المتوثبة التي تحلّق فوق قيود الواقع، والتي تتفجر لتسقي حقول الأمن الاجتماعي والصحي والاقتصادي وتضيء دياجير المستقبل المجهول بضياء المعرفة المتوهج.

لقد بذلت دولنا في الخليج، وعلى رأسها وطننا البحرين الحبيبة، الذي يدرك قيمة الإنسان كأصل لا يثمّن بل كشعلة لا تنطفئ في محراب البناء والولاء للأرض، جهودًا واستثمارات لم تكن مجرد أرقام، بل كانت رهانًا على أرواحنا وعقولنا في سبيل تخريج هذه النخبة من أبنائها، ليصبحوا وقوداً للحلم الوطني الكبير.

لكننا نقف اليوم أمام ظاهرة مقلقة، تكاد تكون فلسفة مأساوية بحدّ ذاتها تلقي بظلالها الثقيلة والقاحلة على أرض الواقع.. تكديس الشهادات العليا في أدراج الانتظار كأنها كنوز أثرية مصادرة لا يسمح بتداولها أو ببعث الحياة فيها.. إنها أحلام مؤجلة تكتنز صمت الأرفف البارد وهي تنتظر إذن الإفراج السماوي لتبدأ رحلة العطاء الموعود الذي يضخ الدماء الجديدة في شرايين الوطن.

إنها الحقيقة المرة التي تتشكل في قصص أبنائنا، مهندسي الجسد (الأطباء)، الذين عادوا حاملين معهم ضوء العلم من أصقاع الأرض البعيدة، أو تخرجوا من صروحنا الوطنية بهامات مرفوعة، ليرتطموا بصخرة الواقع إذ يكتشفون أن العودة إلى الوطن لم تعن بالضرورة العودة إلى ميدان العطاء المفتوح بل إلى متاهة الشروط التي تعاد صياغتها بلا نهاية في حلقة مفرغة من التعقيدات الإجرائية.. فالشروط تثقل الروح قبل الجيب، والتدريب يصبح مغرمًا ماديًا في بعض المراحل الحساسة، وكأن الكفاءة الوطنية مطالبة بدفع ضريبة وجود باهظة لفرصة العطاء المستحق.

لا يمكن أن يغيب عن ذاكرتنا حجم الجهد الهائل الذي بذل من قبل هذه النخبة من الشباب وكيف أنهم لم يتوانوا عن إثبات جدارتهم في أحلك الظروف وأشدها خطرًا.. فإبان الأزمات الصحية العالمية الكبرى رأينا هذه الطاقات تندفع نحو الصفوف الأمامية في مبادرات تطوعية لا تقدر بثمن، مقدمين تضحيات جسيمة في سبيل أمن وصحة مجتمعاتهم.. لقد أثبتوا أن جذورهم في هذه الأرض أعمق من الخوف العابر وأن ولاءهم للمهنة هو بوصلة الروح التي لا تهتز.

ولكن ما أن انجلت الغيمة الثقيلة، حتى عاد الكثير منهم ليجد نفسه خارج دائرة الأولوية، في منطقة الظل، بينما كانت الفرص تمنح لدفعات لاحقة أو لخبرات آتية من وراء البحار.. تتجسد هنا المفارقة العميقة، التي تبعث على التساؤل الفلسفي.. فكيف لبلد يستثمر في تعليم أبنائه حتى الإتقان، ثم يترك هذه الطاقات، التي أثبتت جدارتها في المحن، في حجر البطالة البارد، كتمثال من رخام؟ وهي حقيقة لا تخفى على المتابع لأوضاع الأطباء الخريجين، بما في ذلك التحديات التي يواجهها الأطباء البحرينيون وغيرهم، حيث باتت أعداد المنتظرين تُقدر بالمئات، في حين تبقى مستشفياتنا ومنشآتنا الصحية تُدار بسواعد وافدة، وكأننا نصدر أبناءنا لنتلقى خدمات الغرباء.

في زحام الأولويات المقلوبة، يتضح لنا بمرارة أن هذه الأزمة لا تتوقف عند حدود القطاع الصحي فحسب.. هذا الاستنزاف في التوظيف، يخلق حالة من الهدر التاريخي لرأس المال البشري هدر لا يقاس بالدرهم بل يقاس بانطفاء شمعة الإيمان بالفرصة والعدالة المهنية.

إن هذه الظاهرة ليست مجرد بطالة مؤقتة.. إنها تآكل منهجي لاستثمار الدولة في سماءها الفكري.. فالوطن الذي يدفع لتخريج نخبة من أبنائه ثم يتركهم عاطلين عن العمل، هو وطن يهمل أثمن ما يملك.. نور العقول وقوة الالتزام.

وهنا، لا بد أن نتساءل.. أليس من الأجدى اقتصاديًا وأخلاقيًا أن يتم استيعاب هذه الكوادر الوطنية فور تخرجها، بدلًا من استقدام الخبرات من وراء البحار؟ ولماذا لا تُعاد صياغة برامج التدريب والتخصص بشكل يخدم الاحتياج الفعلي للمنشآت الصحية الحكومية والخاصة ويقلل من الأعباء المادية والإجرائية على الطبيب الوطني؟

إن علاج هذا الخلل لا يكمن في مجرد التوظيف السطحي بل في إعادة التفكير الاستراتيجي الجذري في فلسفة إدارة الثروة البشرية الصحية، ووضع الكفاءة الوطنية كأولوية قصوى لا تقبل المساومة أو التأجيل.

وهنا، في حضرة هذا الهدر الموجع لا بد أن يتفجر التساؤل كجرح مفتوح في ضمير الوطن.. أليس من الأجدى أيضًا أن تزرع هذه الكفاءات الوطنية في أرضها، بدلًا من استنبات الزهور العابرة من وراء البحار؟ ولماذا نثقل كاهل طبيبنا الوطني بسلاسل الشروط الإجرائية، وكأن العودة إلى محراب العطاء تتطلب فدية باهظة من جيب الروح قبل جيب المال؟

إن علاج هذا الخلل لا يكمن في مسكنات سريعة، بل في إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية نحو الإنسان كأثمن الأصول، ووضع الكفاءة الوطنية كـ “أولوية قصوى لا تقبل التأجيل ولا المساومة”.

من هذا الألم يولد الأمل.. وإليكم نبض الوعي ومفتاح الحل، والكامن في جملة من المقترحات التي أرى فيها جسر العبور من حجر البطالة إلى سماء العطاء، لتتحول الشهادات المؤجلة إلى قناديل تضيء مستشفياتنا..

أولًا لضمان المقعد وإطلاق برنامج العبور الوطني يجب أن تتوقف حكاية الانتظار عند أبواب الوطن، وأن يُصاغ ميثاق وطني لاستيعاب الأطباء الخريجين.. هذا الميثاق يضمن مقعد تدريب مدفوع الأجر لكل طبيب خلال ستة أشهر من تخرجه كحد أقصى… لتكن هذه الفترة ليست مجرد تدريب، بل رحلة خبرة أولية مقدسة تحتسب في سجل عطائه، ويُعترف بها كجواز سفر مهني نحو التوظيف الحكومي والخاص.. فالطبيب هو شعلة لا يجوز تركها تنطفئ في الظل.

وثانيًا لضبط بوصلة التخصص ومواءمة الوعد مع الحاجة لترتفع الرؤية إلى أفق التخطيط المستقبلي، فنبدأ بوضع خطط خمسية شفافة تُعلن عن الخصاص الفعلي في التخصصات الطبية.. علينا أن نوجه الأجيال نحو التخصصات النادرة التي تعاني منها مستشفياتنا، بدلًا من تكديسهم في مساحات مشبعة.. هذا هو الركن الركين الذي يضمن مواءمة المخرجات مع حاجة الوطن، لتصبح كل شهادة صادرة هدفًا مصوبًا نحو ميدان العمل لا حبرًا على ورق.

وثالثًا تذليل العقبات وتطهير طريق المزاولة ويتم ذلك بإعادة النظر بجرأة في دواوين الإجراءات المعقدة التي تُثقل الخطوات الأولى للطبيب.. لنلغ أو نخفف تلك الشروط الإجرائية والمالية التي لا تضيف حقيقة علمية أو كفاءة عملية.. إنها عقبات نفسية ومادية توحي للوطني بأن طريقه محفوف بالأسلاك الشائكة، بينما نفتح الأبواب مشرعة للوافد.. فتسهيل الترخيص هو إعلان إيمان بكفاءة الطبيب الذي استثمرنا فيه.

الخلاصة.. إن بناء الأمم يقوم على إيمانها العميق بأبجدية أبنائها وقدرتها على إتاحة المجال لهم لحك اليد بالظفر قبل أن تضطر للبحث عن سواعد غريبة تسد فراغات كان أولى بالوطنيين أن يملؤوها، ليكتمل عقد السيادة الفكرية والمهنية لهذا الوطن المحب والمنتظر.

1 تعليق

  1. منذ بدأ العلم و التعلّم و الابتعاث و التخصص في هذه الأوطان .
    طرح جميل خاصة طرح بعض الحلول المضيئة أمام مشكلة وطنية .
    شكرا لهذا الطرح الجميل للأستاذة جميلة الوطني .
    حقيقة ،، و للأسف موجودة في دول الخليج العربي و تتنامىى كأذرع الأخطبوط

Comments are closed.