ملف الفساد.. الفجوة بين التقارير والتدابير

0
128

في  بيانه بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، يقف المنبر التقدمي، وهو يتناول ملف النزاهة والمال العام جوهر الإشكالية، مؤكداً أن أي خطاب عن مكافحة الفساد يبقى منقوصاً، بل فاقداً لمعناه، ما لم يقترن بمحاسبة صارمة وإجراءات تنفيذية واضحة تترجم التقارير الرقابية إلى أفعال ملموسة.

في بيانه دعا التقدمي إلى تحويل هذه المناسبة إلى لحظة مراجعة حقيقية لمدى الجدية في مواجهة الفساد الإداري والمالي والمؤسسي، بوصفه أحد أخطر التحديات التي تعيق التنمية المستدامة، وتُضعف كفاءة المؤسسات، وتُقوض ثقّة المواطنين في الشأن العام. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود الفساد، بل في التعامل معه كأمر اعتيادي أو كمخالفات عابرة يمكن تجاوزها دون مساءلة.

وقف التقدمي في بيانه أيضاً أمام نقطة محورية تتكرر في النقاش العام منذ سنوات، تتمثل في الفجوة بين التقارير الرقابية من جهة، والتدابير التنفيذية من جهة أخرى. فالتقارير، مهما بلغت دقتها، وهو أمر يدور حوله نقاش أيضاً، تفقد قيمتها إذا بقيت حبيسة الأدراج، أو تحولت إلى مادة إعلامية بلا نتائج. غياب المحاسبة الواضحة، وتكرار المخالفات دون عقاب، يرسخان ثقافة الإفلات من العقاب، ويوجهان رسائل سلبية بأن مواصلة العبث بالمال العام ممكن.

تتطلب مكافحة الفساد إرادة واضحة، وتشريعات فعالة، وأجهزة رقابية مستقلة، وحماية حقيقية للمبلغين عن الفساد. وفي هذا السياق، شدّد بيان التقدمي على الدور المفترض لمجلس النواب، باعتباره ركناً أساسياً في منظومة الرقابة، داعياً إلى تفعيل أدواته الدستورية، وتحويل تقارير الرقابة إلى ملفات محاسبة فعلية، لا الاكتفاء بالتصريحات.

وعلى الصعيد المجتمعي فإنّ مواجهة الفساد لا تتم عبر الأجهزة الرسمية وحدها، بل تحتاج إلى مجتمع مدني فاعل، ونقابات وجمعيات قادرة على ممارسة الرقابة الشعبية ونشر ثقافة النزاهة دون تقييد أو تهميش، كون المعركة ضد الفساد، في جوهرها، معركة سياسية وتشريعية وثقافية في آن واحد.

وكما قلنا في مناسبات سابقة، فإنّ بناء دولة العدالة والتنمية يمرّ عبر مواجهة صريحة مع الفساد، دون مجاملة أو تسويف، وترسيخ الشفافية كمنهج عمل دائم، لا كشعار موسمي، فمكافحة الفساد شرط لأيّ مشروع وطني جاد ومستدام، تتطلع إليه كل القوى المخلصة للوطن والشعب.