يوسف مكي .. نهر الصمت وبُعد الفكر

0
81
إبراهيم الشمر

مثل نهر هادئ، يعبر الفكرة بهدوء وثقة. لم يكن يوسف مكي ممن يرفعون أصواتهم ليرى أثرهم. كان، على العكس، يمشي في الأفكار كما تمشي المياه العميقة: بلا ضجيج، وبلا رغبة في إثبات الحضور، لكن بما يكفي ليغير شكل الأرض من تحته. رجل خرج من سيهات، تلك المدينة التي تعلم أبناءها منذ وقت مبكر أن البحر ليس زينة، بل امتحان صبر، وأن الملح الذي يلعق في الجسد لا بد أن يتحول يوما إلى سؤال.

هناك، في تلك الزاوية من الشرق، تفتح وعيه باكرا، لا كوعي طارئ على العالم، بل كقلق دائم. لم يكن الطفل الذي يكتفي بما يقال له، بل الذي يشك فيما يسلم به، وينصت إلى ما لا يقال أكثر مما يقال. بدا كأنه منذ البدء يعرف أن المعرفة ليست مهنة، بل مسؤولية، وأن الفكرة إن لم تحمل على محك الأخلاق تصبح زينة خطاب، لا أكثر.

حين شد الرحيل خطاه إلى بغداد، لم يكن يذهب لمدينة بقدر ما كان يدخل مختبرا عربيا مفتوحا: كتب، منابر، مناقشات، وأسئلة لا تهدأ. هناك، تعلم أن الفكر ليس ترفا، بل اشتباك يومي مع الواقع، وأن الكتابة، إذا لم تمسك بيد الشارع، تتحول إلى تمرين لغوي جميل لا أثر له. ثم مضى أبعد، إلى الولايات المتحدة، حيث الأكاديمية الصارمة، واللغة الباردة التي تختبرك: هل تستطيع أن تحمل همك القديم بلغة الآخر دون أن تفقد نبرتك؟

في المنفى الذي اختاره لا الذي فرض عليه، قضى أكثر من ثلاثين عاما. لم يكن المنفى عنده لعنة، بل مسافة ضرورية للرؤية. كان يعرف أن الاقتراب الشديد يعمي أحيانا، وأن البعد يمنحك قدرة على التشخيص لا على التبرير.

هناك، بين قاعات الجامعات ومراكز البحث، صقل أدواته، واشتغل على الفكرة بوصفها بنية، لا شعارا؛ مشروعا طويل النفس، لا رد فعل عاطفي. لكن يوسف مكي لم يكن مفكرا يعيش في برج من مصطلحات. كان يعرف كيف ينزل بالفكرة إلى الصحافة، إلى المقال الأسبوعي، إلى اللغة التي تقرأ على عجل، دون أن يفرط بعمقها. كان يكتب كما لو أنه يحاور قارئا ذكيا لا يحتاج إلى وصاية، ولا إلى تهويل. هادئ النبرة، صارم المنطق، بعيد عن المزايدة، وكأنه يقول: الفكرة القوية لا تحتاج إلى صراخ.

حين عاد إلى الوطن في منتصف التسعينات، لم يعد بوصفه العائد من غياب طويل، بل كمن يواصل جملة لم تنقطع. لم يحمل معه خطاب المنتصر، ولا مرارة المنفي، بل خبرة المسافة. انخرط في الصحافة المحلية والعربية، كتب عن الدولة، عن القرار، عن التصدع العربي، عن الأسئلة التي لا تريد الأنظمة سماعها، ولا تريد الجماهير مواجهتها. كان حضوره شبيها بمن يضع مرآة أمام الجميع، ثم يتراجع خطوة، تاركا لهم عبء النظر.

لم يكن من أولئك الذين يعلنون أدوارهم. كان دوره يستشف من صمته بقدر ما يقرأ في نصوصه. لم يقد جموعا في الشارع، لكنه قاد أسئلة في العقول. لم يرفع راية، لكنه حافظ على اتجاه. كان يؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من تفكيك البديهيات، لا من استبدال الشعارات. لذلك ظل، حتى في أشد لحظات الانكسار العربي، متماسكا، لا ينهار إلى العدم، ولا يساوم على المعنى.

في كتاباته عن الوحدة، عن الدولة، عن النهضة المتعثرة، لا تجد نبرة الخطيب، بل عقل الباحث الذي يعرف أن الفشل لا يفهم إلا بتشريحه، وأن الهزيمة لا تقاوم بالأمنيات. كان يكتب وكأنه يقول: لا خلاص بلا معرفة، ولا معرفة بلا شجاعة الاعتراف بالأخطاء. لهذا بدا أحيانا ثقيلا على من يريد أجوبة سهلة، وخفيفا على من يبحث عن جذور السؤال.

يوسف مكي لم يكن رجل صدام مباشر، لكنه لم يكن حياديا. كان يقف في المنطقة الأصعب: منطقة الموقف غير المعلن، الواضح لمن يعرف القراءة بين السطور. كان يعرف أن بعض الأدوار لا تقال، لأنها إن قيلت فقدت فعاليتها. لذلك ظل، حتى وهو يحتل مواقع مؤثرة في مراكز فكرية عربية، يشتغل من الخلف، كما يعمل مهندس يعرف أن البنيان لا يظهر جماله في الأساسات، لكنها إن اختلت انهار كل شيء.

رحل، بعد صراع مع المرض، كما عاش: بلا استعراض. لم يطلب وداعا صاخبا، ولم يترك وصية خطابية. ترك كتبا، مقالات، وأثرا هادئا في وعي أجيال قرأت له دون أن تلتقط دائما خطورة ما يقول. وربما هذه هي المفارقة: أن يكون الرجل أخطر مما يبدو، وأكثر تأثيرا مما يحتفى به.

اليوم، حين يستعاد اسمه، لا يستعاد بوصفه ذكرى، بل بوصفه سؤالا مفتوحا: كيف يمكن للمثقف أن يكون ملتزما دون أن يتحول إلى داعية؟ وكيف يمكن للفكر أن يكون قوميا دون أن يسقط في الشعار؟ وكيف تظل المعرفة أخلاقية في عالم يكافئ الضجيج أكثر مما يكافئ العمق؟ يوسف مكي لم يجب عن هذه الأسئلة نهائيا، لكنه عاشها. وهذا، في زمن كهذا، دور لا يستهان به.