أرض الخلود لا تمنح أسرارها للقتلة

0
84

ليست “أرض الخلود” حكايةً تُروى للتسلية، ولا أسطورةً نضعها في خزائن الماضي ثم نغلق عليها الغبار. “أرض الخلود” ـ كما عرفتها حضاراتنا الأولى ـ لم تكن مجرّد مكان على امتداد البحر والنخيل، بل كانت فكرة أخلاقية كبرى: أرضٌ لا تسكنها الرذيلة، ولا يطأها الظلم دون أن يفتضح، ولا يُمنح فيها “سرّ الحياة” لمن يوزّع الموت على الناس. بالنسبة إلى أهلها فإنها ليست مجرد جغرافيا بل ضمير، ليست مجرد أسطورة بل موقف.

الخلود ليس جائزة للمجرمين، ولا يُمنح كترقية سياسية، ولا يُختصر في بروتوكول، ولا يُشترى بالمجاملة، فهو لا يليق إلا بمن حمل معنى الإنسان.

أما القاتل فلا يستحق سوى سقوطه، والمجرم لا يليق به سوى انكشافه، والمحتل مهما تزيّن بالألقاب، سيظل عارًا يتحرك على قدمين، فهو من جعل حياة الآخرين جحيمًا.

“أرض الخلود” لم تكن يومًا أرضًا ساذجةً تُخدع بشعار، ولا أرضًا ضائعة تُمسح ذاكرةُ التاريخ عنها بتصريحٍ إعلامي. لقد كانت “أرض الصفاء”، لا مرض فيها ولا قبح، لا شيخوخة ولا ظلم…

فكيف تُدخل إلى أبوابها من يحمل على كتفيه ميراث القتل، وهي التي لا تقبل الحياد بين الضحية والجلاد، ولا تقف في المنتصف بين الحق والباطل، ولا تُساوي بين دم الطفل ويد القاتل، ولا تضع الجلاد والضحية على طاولة واحدة تحت عنوان “السلام”.

أرض الخلود لا تعرف هذه اللغة الرمادية. تقول ما يجب أن يُقال دون تزيين: ممثل الاحتلال لا يصبح شرعيًا لأنّه حمل لقب سفير، بموجب ورقة سميت اتفاقًا.

حين يقف سفير العدو الغاصب، سفير الكيان الصهيوني، على أرضٍ لها تاريخ حضاري عميق، ويظن أن الزمن يمكن أن يكون ممحاة، وأن العلاقات يمكن أن تكون ماءً يغسل الدم — هنا تحدث المفارقة الكبرى: التاريخ لا يُغسل، والدم لا يُمحى!

الكيان الصهيوني ليس “خلافًا سياسيًا”، بل مشروع قائم على القتل، والتهجير، والمصادرة، هو مشروع يريد من الجميع أن يعتادوا الجريمة… أن تصبح المجزرة خبراً عادياً، وأن يصبح الحصار “إجراءً أمنياً”، وأن يصبح قتل الأطفال “دفاعًا عن النفس”، ولذلك فإن حضور سفيره ليس حضوراً دبلوماسياً عادياً، بل رمزية احتلال تمشي بين الناس، محاولة لتطبيع القبح وتحويله إلى عادي، وتحويل الجريمة إلى مشهدٍ مألوف.

لكن أرض الخلود لا تتواطأ مع القبح. إن رمزية أرض الخلود في وجداننا العميق تقول شيئًا واحدًا بلا مواربة: هذه الأرض لا تمنح أسرارها للقتلة، ولا تُكافئ المجرمين، ولا تصافح من يقتاتون على أنين الضحايا، يضحكون أمام الكاميرا فيما طراف فلسطين تنزف.

أرض الخلود لا تعطي الدرس للمؤمنين بها فقط، بل تفضح المتسلقين على اسمها: الخلود الحقيقي هو خلود الموقف، هو أن تقف حيث يجب أن تقف، وأن ترفض حيث يجب أن ترفض، وأن تقول “لا” في وجه من يريد للعالم أن يعتاد الظلم.

إن من يقف مع فلسطين لا يقف مع قضية بعيدة، بل يقف مع العدالة ذاتها، ومن يرفض القتل ليس صاحب رأي، بل صاحب شرف، ومن يفضح الاحتلال لا يتدخل في سياسة… بل يدافع عن الإنسان.

أرضنا، أرض الخلود، لا تساوم على دم، ولا يمنح أهلها خلودًا لمن سرق الأرض، فهي ليست ضيافةً للغزاة، بل محكمةٌ للتاريخ ومنصةٌ للحق.