الصديقان عباس وعلي

0
338

في العام 1972 وعلى مقاعد الثانوية العامة التقى الطالبان عباس الموسوي وعلي كاظم بالصدفة، أطلق علي نكتة فانفجر الطلاب ضحكاً. التفت عباس إلى الخلف ليتعرف على صاحب النكتة الجميلة، وفي أول فسحة، تعرّف كل منهما على الآخر وارتاح لشخصيته. لاحقاً حرّك عباس طاولته من آخر الفصل ولصقها بطاولة صديقه الجديد في المقدّمة، لكن الطاولة التي بدـت كتوأم سدّت الممر بل وحالت دون مرور الطلاب والمدرسين من خلاله، اعترض مدرس الفصل وأمره بإبعادها، تمّ استدعاء المدير، لكن عباس اصرّ وعاند. فٌصل ثلاثة ايام عقاباً على تصرفه، وحين عاد إلى الفصل أعاد طاولته إلى سابق وضعها.

 استسلم المدرسون لهذا العناد الذي لم يفهموه ولم يجدوا مبرراً له، ومِن مًن؟ من طالب هادئ ميّال للصمت وذي سجل مدرسي خالٍ من المخالفات. يتذكر طلاب هذا الفصل إلى اليوم تلك الطاولة التوأم المعيقة للممر والخارجة عن موضعها والتي أعطت للفصل شخصية خاصة وشهرة مميزة. ومنذ ذلك العام بدأت مسيرة الصداقة بين الاثنين، عباس ابن النعيم وكابتن فريق الخلود الرياضي، المفعم بالنشاط والهوايات والمنغمس في مصادقة البحر والصيد والرسم والتصوير، وعلي ابن قرية بوقوة عضو فريق الكشافة ذو المهارات القيادية المبكرة والذي توكل إليه مهمة الإشراف والرقابة على الفصل في غياب المدرس، والموظف بعد الدوام المدرسي في بقالة عمه.

  الوقت المشترك هو ما سعى إليه الصديقان المحدثان لإشباع رغبتهما في التلاقي وفي اكتشاف ما يمكن ان يحققانه معاً خارج التزاماتهما المدرسية، وتحويل تلك الصدفة العابرة إلى قرار غير خاضع للصدفة بل خاضع للإرادة والاصرار والتصميم واجتياز التحديات والمعوقات لتمكين هذه الصداقة الطرية وانضاجها والعمل على استدامتها. مع نهاية العام المدرسي تبيّن رسوب أغلب طلاب الفصل، لكن علي وعباس نجحا.

 في البداية التحق الثنائي بمعهد المعلمين ثم اتجها إلى دراسة الفنون الجميلة في جامعة حلوان بالزمالك، في عزّ تدفق البعثات والمنح الدراسية، حصل عباس على بعثة بترشيح من الراحل الفنان احمد باقر خريج السوربون الذي سعى لدى صديقه راشد صلبيخ رئيس قسم البعثات لتضمين الفنون الجميلة ضمن البعثات الكثيرة والمتنوعة في تلك المرحلة، عاكستهما الظروف مجدداً إذ حصل علي على بعثة لدراسة المسرح، لكنهما وبنضال شاق وتوسط من هنا وهناك حولاها لاحقاً إلى كلية الفنون الجميلة.

من شقة القاهرة في حي المهندسين انطلق النجمان إلى مرحلة الاعتماد على النفس وبناء الذات والتجلي الاجتماعي والابداع الفني. كلاهما كان مغرماً بالرسم والتصوير والموسيقى وارتياد المتاحف والسينما والمسرح وقد وجدا في القاهرة ضالتهما، تحوّلت الشقة إلى مضيف دائم للطلاب والضيوف والسياح من الأهل والاصدقاء والمعارف، هنا مرّ الفنانون: الراحل عبدالاله عرب، يوسف الكوهجي، اسحاق الكوهجي، وحيد الخان، أحمد باقر، شفيق خلف، إبراهيم البوري، محمد ميرزا، فريد بوقيس، سعيد رضي، جمال السيد، خاتون الانصاري واخرون أبدعوا رسماً ونحتاً وموسيقى تردد صداها في شارع النخيل بحي المهندسين.

  منحتهما دراسة الفنون متسعاً من الوقت لم يكن متاحاً لأقرانهم من طلاب الطب والهندسة والدراسات الأخرى، فتفرغا لممارسة شتى الهوايات والتنقل بين ربوع مصر وسبر أغوارها واكتشاف قراها ومدنها البعيدة، وثقا كل ذلك بالتصوير الفوتوغرافي وبأفلام الفيديو التي رفعها الفنان الموسوي على منصته الالكترونية.

يُنقل عن بعض طلبة القاهرة قولهم “إن عباس وعلي كانا أسعد طالبين بحرينيين في مصر”، وفي كل عام كانت الشقة تحمل اسمها جديداً، شقة الفرح والمرح والصخب وصحبة الأصدقاء والفن والموسيقى وحفلات رأس السنة ومشاريع هندسة الديكور، كانت الشقة تتجدد سنوياً بالأثاث واللوحات الفنية والوجوه والشخصيات الجديدة. اعتنى علي بالمطبخ. قام بتدريب جميع العاملات اللاتي مررن على هذه الشقة على طهي الطبخ البحريني التقليدي وذلك لملاقاة الاصدقاء الدائمين والضيوف الذين يتوافدون على الشقة باستمرار من مصر ومن خارجها. هنا لا وقت للملل والرتابة والضجر.

 هنا ربما في هذا الزمان وهذا المكان أو قبلها أيقن الصديقان أنّ كل منهما قد وجد ضالته ومبتغاه. كلاهما أدرك بحسه الفطري الغريزي أنّ الآخر ليس مجرد صديق بل كنز متجدد جدير بالحفظ والصون والرعاية، هذا الاحساس الدفين بأنّ المرء يرافق كنزاً هو الذي أطال في عمر صداقتها ومنحها الاستدامة في وقتٍ يشهد فيه العالم  قصر وانقضاء العلاقات والشراكات على اختلافها، “عصر السيولة” كما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان، حيث كل شيْ غير ثابت وسريع الزوال والتحوّل، لكن السيولة لم تطل علاقة عباس وعلي الملهمة والمنتجة، فكلاهما متغيّر ومتجدد، ويجد في الاخر اضافة نوعية وداعماً، وكل تغيير يعتريهما يلقى استجابة وترحيباً من الآخر.

 لم يكن الرفيقان متشابهين ومتطابقين كما قد يعتقد البعض، فلكل منهما شخصيته المستقلة، وأحياناً كانا على جانبٍ كبير من عدم التوافق، لكن عن قرب إذا جلسا وتحدّثا تجدهما في غاية التطابق والتوافق ويعزفان نغمةً واحدة، ولعل أبرز ما يميزهما تلك الشخصية القيادية والجريئة والمبدعة والمرنة والمرحة والمواكبة للزمن والتي على استعداد دائم وفي كل لحظة لخوض غمار الصعاب واختبار كلّ ما هو جديد والذهاب أبعد من المألوف والمعتاد واقتناص فرص الحياة المتاحة الماثلة امامهما والمتوارية بعيداً. 

أنتج علي وعباس مسرحيتين شاركا بهما في حفل الاتحاد الوطني لطلبة البحرين السنوي عام 1973 -1974. عباس كتب النصين المستمدين من قصص بحرينية واقعية، تدربا عليها طويلاً في الشقة. الممثلون والمخرجون كانوا كلهم من الطلاب والاصدقاء الدائمين، والمنتمين لكليات وتخصصات أكاديمية عديدة. أبدع الصديقان في إضافة نكهتهما الفكاهية المميزة، ولعلّ الضحك والمرح وخفّة الظل التي رافقت التدريب تبدو ولغاية اليوم حين يتذكرها شهود المرحلة مثيرة وحاضرة في الاذهان وعصية على النسيان.

في العام 1977 قرر الصديقان الذهاب في رحلة تخييم إلى اوروبا بالسيارة وتجربة العيش وسط الجبال والحقول والمتنزهات والأنهار مع المخيمين رفقة صديقهما المشترك عبدالاله المعلم، شحنا سيارتهما الخاصة براً ثم بحراً وانطلقا في مغامرة غير مسبوقة في ذلك الزمان، حيث التجوال في مدن أوروبا نهاراً والنوم في الخيام ليلاً، ومن هناك بدأت واحدة من أكبر مغامراتهما وأكثرها مشقةّ؛ إذ أوقفتهما شرطة حدود سويسرا بعد أن شكّت في أنّ البهارات التي كانا يحملانها معهما نوع من المخدرات. اقتيدا إلى التحقيق والسجن، انتظرا يومين قبل إخلاء سبيلهما وتبرئة ساحتيهما. نشر عباس القصة في جريدة “اخبار الخليج” بعد عودته تحت عنوان: “العذاب على ابواب سويسرا”. 

كان الأصدقاء يتساءلون ماذا سيفعل عباس وعلي بعد انقضاء الدراسة وعودتهما، منفردين، إلى بيتيهما، حيث لا طاولة توأم ولا شقة مشتركة؟، ماذا سيفعل الصديقان بعد انقضاء سنوات الجنة؟ هل سيفترقان ويركن كلاهما إلى حياة الهدوء والدعة والاستسلام لدواعي العمر ورتابة الوظيفة ومتطلبات العائلة؟

بعد التخرج انطلق الصديقان كالصاروخ مع الفن، ومن النظرية إلى التطبيق والبداية مع تأسيس جمعية البحرين للفنون التشكيلية التي كانت فضاءً جامعاً لكل الفنانين البحرينيين وقتها قبل أن يؤسس الفنانون مراسمهم الخاصة لاحقاً، هنا قضى الصديقان  أجمل سنواتهما البكر كخريجين جديدين يملئهما الحماس والرغبة في التجديد والإبداع، وفي إقامة المعارض الفنية، وعبر الجمعية أسس عباس بالتعاون مع الفنان الراحل حسين علي نادي التصوير الذي كان هو الآخر فاتحة خير وبركة  لإبراز مواهب المصورين البحرينيين الذين أبدعوا وحصدوا الجوائز في معارض ومؤتمرات الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي التصوير فياب flab.

في الثمانينات تزوّج الصديقان أختين، صار الصديق عديلاً للآخر. اسسا أسرتيهما. ابتعدت الطاولة التوأم قليلاً مع ابتعاد البيتين جغرافياً، لكن العلاقة توطدت أكثر مع القرب والانصهار العائلي، وعلى صعيد المهنة والكسب اليومي لم يطق الصديقان الوظيفة الثابتة والعبودية المختارة، بدت ضيقة جداً على أحلامهما وطموحاتهما. وجد الصدقان أنّ العمل الحرّ المستقل أقرب إلى شخصيتيهما العصامية المبتكرة المبدعة رغم ما قد يكتنفها من مخاطر وعدم استقرار.

أسسا معاً مشاريع تجارية عديدة ذات ارتباط بدراستهما كهندسة الديكور والفنون، عباس يخطط وعلي يفكر تجارياً، بعضها حقق نجاحاً لافتاً ومتميزاً، وبعضها ترنّح بعد فترة وجيزة. لم يثنهما الإخفاق عن إعادة المحاولة والتجربة في مجالات أخرى. تمتع الصديقان بشخصية لا تهتم بالخسارة المالية كثيراً. كان هاجس المغامرة والتجريب يغلب على طبعهما، ثم أنّ الزمن كان يبدو واعداً ومنسجماً وملائماً لأفكار وخيال الصديقين، وكانت البحرين وقتها تشهد نمواً وانتعاشا اقتصاديا تجلى في الثمانينات والتسعينات وهو ما كان يغري بتكرار المحاولة.

في العام 1989 يغادر علي مع أسرته إلى عُمان لعدة سنوات للتجارة، لتكون أطول فترة زمنية في عمر علاقتهما تبتعد فيها الطاولة التوأم وتغادر مكانها، ولحسن حظهما أنّ غربة علي لم تدم طويلاً. عباس كبر فنياً وانطلق مع مشروع السلام بعد الحرب على العراق عام 1993، وهو مشروع كبير ومكلف مادياً وبدنياً ويتطلب التنظيم والمتابعة والسفر الدائم، وكان علي على موعدٍ مع نمو وصعود تجارته الجديدة. استعان عباس بالعديل الثالث والصديق غازي المرزوق الذي شكّل قطباً ثالثاً في صداقتهما المديدة، وفي كلّ مشاريع عباس الفنية سواء داخل البحرين أو خارجها كان علي حاضراً قبل غيره، يستقبل الضيوف. إذا تأخر عباس فعلي موجود ينوب عنه، ويطمئنه أنّ كل شي على ما يرام.

تعرّف عباس على عالم التجارة والبزنس وارتياد المعارض التجارية العالمية مع علي الذي برز نجمه وخطّ اسمه كرجل أعمال في مجال المجوهرات، المقاولات لاحقاً، هذا عالم غير مألوف للفنان لكنّه شكّل إضافة مهمة أغنت مسيرته الفنية.  في خريف عمريهما أبدعا في إقامة أجمل الحدائق المنزلية، أغرم علي بالزراعة التي كانت تشكّل جزءاً من ماضيه وقريته وحياته وسط الحقول والنخيل، ونال عباس جائزة أجمل حديقة فنية في البحرين.

هل انعكست علاقتهما الجميلة إيجاباً على الآخرين، العائلة، الأهل، المعارف؟

  الحق يقال، كان الصديقان نعمة وبركة على الجميع ومصدر سعادة وكرم وعطاء وفرح في محيطهما العائلي الخاص والاجتماعي العام، رفقتهما بهجة، ومصاحبتهما في السفر متعة، إذا حضرا ملأ المكان ضحكاً وقصصاً وتجارب حياتية معاشة حتى لتبدو كالأفلام والروايات الشيّقة لفرط ما تتضمنه من مفارقات وعجائب، وفي تفاصيلها الصغيرة يتبيّن كم  خاطر الاثنان بأموالهما وبحياتهما في مواضع كثيرة، وكم خرجا من هذه المواقف الصعبة، المهلكة في بعضها، بأعجوبة وبإصرار على خوض غمار تجارب جديدة، كأنّ القدر كان يمهلهما في كل مرة كي يمنحهما مزيداً من التحقق والتفتح والتألق.

قد كان كلّ منهما فناناً بطبعه الأصيل، والفنان كما يقول المفكر اوسكار وايلد هو: “خالق الاشياء الجميلة”. في هذا العمر لا ترى أحدهما إلا وهو في أبهى أناقته وأرقّ مزاجه وكأنّه متوجه إلى سهرة.

في صيف العام الماضي احتفل على بعيد ميلاده السبعين، ترافق وجودهما معاً مع عائلتيهما في أحد مصايف أوروبا. لم يجد عباس ما يهديه لرفيق العمر سوى لوحة فنيّة تشكيلية تُمثل مسيرة صداقتهما الممتدة على مدى 50 عاماً.

عباس وعلي حكاية بحرينية جديرة بأن تعرف وتروى وتوثق. سيرة لم أذكر منها إلا القليل، وأعلم أنّ كل من ركب قطار هذين الصديقين عاد محملاً بالذكريات والحكايات الجميلة والملهمة.