مهما بلغنا من تطور في وعينا الثقافي نحتاج إلى الكثير من القراءة المتنوعة والمزيد من الاطلاع في الاستنارة لتطوير مهارات المعرفة واغناء ما تلقيناه من رفاقنا الذين أخذوا بأيدينا لإيصالنا إلى هذا المستوى من تلقي المعارف كي نصنع لمسيرتنا أسساً استراتيجية في بناء مستقبل تعليمي لبناء وطن نعشقه حقاً وتكوين شعب متحضر واع سليم.
وأمام ما يواجهنا اليوم يباغتنا أخطبوط الفساد الذي يقف عائقاً في طريقنا يتصدى لنهضتنا الثقافية والعمرانية والاجتماعية والسياسية، ذلك الفساد الذي يتحتم علينا التصدي له بكل ما أوتينا من قوة بوسائل مبنية على حقائق صدقية التفعيل، إذا أردنا حقاً أن نبني وطن ونبني إنسان يعشق الحرية ويناضل لأجلها وسمو نهضتها.
***
لقد برزت هيئة الاتحاد الوطني كقيادة وطنية جامعة تناضل ضد الاستعمار البريطاني، من أجل الاستقلال الوطني، حيث كان الحكم الفعلي بقيادة البريطاني (بلجريف)، ومن أبرز قادة الهيئة عبدالعزيز الشملان، إبراهيم محمد حسن فخرو، عبدالرحمن الباكر، إبراهيم بن موسى، عبدعلي العليوات، السيد علي كمال الدين، محسن التاجر، عبدالله بوديب.
لقد استغل المستعمر آنذاك فترة الحرب، فأصدر قراراته الشائنة بالنسبة لأسعار السلع، حيث صار الرز والسكر والطحين يباع بالبطاقة، وقد قام بلجريف بإجراء تعداد للسكان لهذا الغرض، بهدف توزيع المؤن، رغم أن المزارعين نشطوا بتوفير كميات من المحاصيل الزراعية في أسواق المنامة بكثرة وكانت البساتين كثيرة والقرى تزخر بالفلاحين، لكن المستعمر صار يحتكر تجارة الرز كوجبة رئيسية، كما قام بلجريف أيضاً بالتعاون مع بعض التجار الجشعين بتخزين التمر وإخراج القليل منه من أحل رفع سعره.
وبعد فترة أراد بلجريف أن يكسب عطف المواطنين فأمر الشرطة بكسر مخازن التمور مدعياً إن سبب غلاء التمور هو استغلال التجار تخزينها لرفع السعر، حيث استخدم سياسة (العرض والطلب)، وقام بتوزيع السلع التموينية وخصوصاً الرز عبر طريق الحسينيات، حيث اوكل المهمة إلى الحاج حسن بن خميس وعين معه خمسة افراد، وذلك لبيعها على المواطنين بالبطاقة الحكومية، واتضحت الأمور بعد تفجر النفط في (بئر رقم «1»)، حيث صار فرج وبشارة خير للغواصين الذين عانوا من اضطهاد وجشع (النوخذة)، حيث عملوا في شركة نفط البحرين – بابكو في (الجبل)، المنطقة التي تفجر فيها، النفط تاركين وراءهم التغرب وحرمانهم لعوائلهم شهوراً ليبدأوا في معاناة اضطهاد من نوع آخر، رغم أنهم أصبحوا بين أحضان عوائلهم ومجتمعهم، ولكن الاستغلال استمرّ بطريقة أخرى.
***
برزت (المنظمة العمالية) في البحرين في الستينات من القرن الماضي، كمنظمة أثبتت جدارتها في رعاية الطبقة العاملة والدفاع عن حقوقها، حيث تصدت لعسف واضطهاد الشركات الأجنبية وجشع المقاولين الذين يسعون للربح على حساب طبقتنا العاملة، وبهذا الصدد تحققت الكثير من المكاسب والانتصارات رغم القمع، ويرجع ذلك إلى النخبة المتميزة من كوادرنا الوطنية والعمالية في تصديها لأساليب إدارات الشركات التي تتهرب من حوارها مع القيادات العمالية الساعية لوضع حلول شافية عادلة منصفة، ولجوءها، أي الشركات، إلى الاحتماء بالقوى الأمنية كحل، لثني العمال عن مطالبهم، رغم أن كوادرنا العمالية كانت تسعى جاهدة لحوار مستمد من تشريعات وقوانين وأسس منظمة العمل الدولية التي تأسست في العام 1919، التي تعتبر احدى المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، وقد أدرجت (المنظمات العمالية) تحت ابرز مادتين هما (المادة رقم 23) القاضية بأن لكل شخص الحق في العمل رجل كان أم امرأة، حيث لها حق في الاجر مثل الرجل شامل كل الحقوق، والمادة الثانية هي (24) عن حق العامل، رجلاً أم امرأة، أن تحدد لهم ساعات العمل الاعتيادية، كما تصرف إليهم الساعات الإضافية حين يكون هناك عمل مضاف، كما تحسب العطلات والإجازات المرضية وإجازات الوفيات وغيرها.
من هنا تعاني المنظمات العمالية من تنصل الجهات المعنية من مسؤلياتها، عبر التعاون مع المؤسسات النقابية لأجل صيانة حقوق الطبقة العاملة وحمياتها من عسف أرباب العمل الذين يمتمصون دم العمال رغم جهودهم الكبيرة في سبيل انعاش الاقتصاد الوطني.
***
من المؤسف أن هناك أطباء يتخرجون من جامعات وكليات مرموقة من داخل وخارج البلاد ولا يجدون عملاً، وما يعانيه اطبائنا اليوم مؤسف، حيث يتخرجون متأبطين شهاداتهم آملين أن إن يكونوا سنداً ودعماً لنهضة وطنهم وبريقاً ينير دربا يبهج أهاليهم الذين ينتظرون انعاش معيشتهم وفخراً بدور أبنائهم في أن يصبحوا ضمن الكادر الطبي الوطني.
ومن هنا ساندتهم بعزم (أطباء بلا حدود)، كما ساندتهم هيئات دولية قانونية وإنسانية ومنظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج.
يثير اهمال هذه الشريحة المهمة من أبناء الوطن رغم تعلمهم وتأهلهم، والاعتماد على الأطباء الأجانب علامات استفهام كبيرة، ففي ذلك إساءة للوطن وللكادر المواطن المخلص بالطبع لوطنه وشعبه، ولا يخدم التطور الصحي والتنموي لبلادنا والذي ننشده جميعاً.


