حول مِنفضة سميح القاسم (2)

0
99

“أنا مِنَ القوَّة، بحيثُ أستطيع الإعتراف بِضَعفِي!”

محمد ديتو

“ها أنتَ يالذي هو أنا، وقد يكون أنا، تدبُّ على قدميك وعصاك في وعورة حَولِكَ السادس والستين، مثقلاً بالشكوك مُفعماً باليقين.يسألونك: مَن أنتَ؟ فتجيب المرارة والتجربة، ويجيب الحلم الموجع ويجيب رمادُ الأمل المنتظر عنقاءَه: أنا الذي صدق كل شيء في النصف الأول من عمره، أما في النصف الثاني من هذا العمر فلا يصدق شيئاً.. “(ص 11).

 هكذا خاطب سميح القاسم نفسه في مطلع سيرته الذاتية “إنها مجرد منفضة”. هنا نجده  في لحظة صفاء نادرة مع النفس  يحاور ويسائل ذاته بصدق، ساعياً للمصالحة بين مشاعره المتناقضة، المُتسِمة “بالإحتكاك ذي الوتيرة المزعجة بين أصابع تفاؤلك الطويلة، وجدران اليأس الرخامية السوداء الباردة” حسب تعبيره . كان يعيش حالة ًمن عدم الانسجام مع عالمه الخارجي المضطرب: “أنت محاط بعالم لا ينقصه الجنون. بل لعلّ جنون العالم أكثر مما ينبغي. ويبدو لك أحياناً أنّ العقل ليس في اجازة بل هو في منفى قسريّ، ومَن يدري؟ لعلها حكمة ربانية. لعل العالم بحاجةٍ لشئ من الجنون حتى تظهر نعمة العقل.” (ص 169).  بالإضافة إلى كل ذلك، تزامنت صعوبة حركته الجسدية الناجمة عن حادث السيارة الذي تعرّض له، مع مواجهته “للحواجز الكثيفة الصلبة العالية التي تعترض حركة حلمك، كل هذه العوامل المتداخلة والمتراكمة تجعلك أقلّ تشبثاً بالحياة”.

كانت كتابته لسيرته الذاتية، على ما يبدو، أحد أساليب مقاومته لليأس كما أكد في الصفحات الأخيرة من كتابه: “هُنا أنت. وهذا هو أنت. هنا بلادك وأمتك وعالمك…وهذا هو وجعك الصاخب، كأنّما بلا جدوى وكأنّما بلا أمل! ..ولك أن تجهر بها. إنّها خُلاصة تجربِتكَ وجمرة حالتك، وقناعة وعيك: أنا مِنَ القوَّة، بحيثُ أستطيع الإعتراف بِضَعفِي!!..من بدء زمنك إلى بدء نهايته، ومن أدنى أرضك إلى أقصاها ومنتهاها، ينتصب قبالتك اليأس بكل وقاره ورهبته ويدعوك إلى حظيرته، فتصهل في بقايا أعماقك بقايا عنفوانك: لا. أيّها اليأس. لم يخلق أحدنا للآخر. فلا أنت من القوة بحيث تقهرني ولا أنا من الرفاه بحيث أشتريك. لا. أيها السيد اليأس. لن تعثر فيَّ على خليةٍ تستقبلك ولا على مسامة ترتضيك. فامض في شأنك. عند سياجي تنتهي رحلةُ صيدك. وسيسبقك الموتُ إليّ.” (ص 323). سميح لا ينكر سطوة حالة اليأس عليه، ولكنه يرفض الاستسلام لها، بل كان “غرامشياً”  بامتياز: متشائماً بالعقل، ومتفائلاً بإرادة المقاومة، لا يزال يحب الحياة، ولكنه “أقل تشبثاً” بها !

 أشار في كتابه إلى أنه كان دائم البحث عن صيغة تؤمن له “قناعة الانسجام بينَ الوعي العلماني، والهاجس الروحاني”، وهي قناعة تحتاج الى تجديد وصيانة باستمرار، دفعته لمراجعة ذاته عبر السنين: “لستَ اليوم إنساناً آخر، لكنك قطعاً إنسان مُختلف بعض الشئ، وقد تكون مختلفاً إلى حد بعيد عن الإنسان الذي كنته قرابة نصف قرن.” (ص172). هناك مجموعة من  الأسباب دفعته لكتابة سيرته الذاتية ، قام بتحديدها بوضوح في كتابه،  وهي أسباب جديرة بالوقوف عندها بشيء من التفصيل، لأنها بشكلِ ما، ستحدد إطار ومحتوى ما سيبوح به في ثنايا الكتاب، وتساهم في ضبط توقعات القاريء .

 السبب الأول يتلخص في رؤيته لكتابة السيرة الذاتية كضرورة ومسئولية تجاه أفراد أسرته، وهذا ما نلمسه أيضاً  في وضوح وحميمية السرد   : ” لا تعلم إذا كانت هذه الصفحات ستنشر في حياتك أو بعد رحيلك. ولا تعلم، أصلاً، إذا كانت ستنشر. لكنك تعلم أنها ضرورية، ولو لأفراد أسرتكَ الصغيرة فحسب.. للزوجة الغالية جداً، شريكة العمر والحلم والهم “نوال”، وللأبناء الأعزاء بلا حدود: “وطن محمد” ،”وضاح”، “عمر”، و”ياسر” آخر العنقود..  تحمل أوراقك وسجائرك وتنتقل إلى مائدة المطبخ. ستسرح مخيلتك وتكتب هناك ..في جو المطبخ تشعر بحميمية إستثنائية.. تحسّ أنك في البيت مئة في المئة.. تحسّ بأطياف زوجتك وأبنائك” (ص151).

في موقع آخر من الكتاب، نراه يشعر بحاجة لتجديد نفسه: “تتملكك الآن شهوة ناضجة للانتقال من حالة إلى أخرى تتيح لك شيئاً من التفرغ لإعداد أعمال جديدة وأخرى قديمة للطبع.” وربط ذلك “برغبة ترتيب الأوراق وتنظيم المكتب، لشخص ما، أو لأفراد، أو لجهة.. أو لنقل لورثةٍ ما، تستحوذ عليهم قناعة ودية بضرورة تنسيق مسار العلاقة المستقبلية بين رمادك أنت لا رماد تبغك، وبين منفضتك أنت لا منفضة سجائرك.” (ص 280).

 ثانياً، إعتبر سميح كتابه بمثابة مرافعة يقول فيها الحقيقة عن حياته: “تقرأ الكلام المفعم بالمدح، إلى جانب الكلام المشبع بالقدح، فلا يرضيك هذا ولا يثنيك ذاك..إذاً لابد من مرافعة تستند إلى حقيقتك.. أنت لا تؤمن بفصل الإبداع عن الحياة. لا تؤمن بتجزئة التجربة” (ص 12). هذه المرافعة تطلبت منه بأن يضع نفسه أمام “كرسي الإعتراف.والكاهن الذي يُصغي إليك، إسمه الحقيقة، وكنيته الصدق، ولقبه العفوية، وإذا شئت أن تهبه شيئاً من المهابة فلتسمّه التاريخ.إنه تاريخ شخصي.أو هو شذرات من سيرة”.

 بيد أن ذلك لا يعني بأنّ كل شيء مباح في كتابة ونشر السيرة الذاتية لدى سميح، إذ أن هناك ضوابط أخلاقية يعلنها بوضوح: “من المؤكد أن وفرة من الناس تتمتع بالاستمتاع إلى قصص الغرام والهيام والصفح والانتقام، وتتسقط اللذات من مغامرات النهار وأسرار الليل، لكنك سرعان ما تجد متراساً وملجأً في ذرائع العمر وروادع الوقار وسلم الأولويات وحكمة الجدوى” (ص 208). كما نجده يحذر من ظاهرة “عجائز  زوربا” ( تعبير استوحاه من أحد المشاهد  في  رواية نيكوس كازنتاكس الشهيرة “زوربا”، حيث تقوم عجائز القرية بنهب ممتلكات الموتى بدون مراعاة لحرمتهم) فنراه يتجنب الإفاضة في الحديث عن أصدقاء ورفاق رحلوا، واقترح أن يُسهب طرف ثالث في الكتابة عن موضوع صداقاته، كما حدد معياراً هاماً لكتابته عن الراحلين من معارفه: “بشأن الأصدقاء الراحلين فإنك تعتمد قيمة الإنصاف، دون أن يكون إنصافهم على حساب حقيقتك، ودون أن يكون إنصافك على حساب حقيقتهم…ولأن الصدق قد لا ينسجم دائماً مع “ذكر المحاسن”، فإن الصمت يفرض حضوره بقوّة” ( ص 338 – 339).

 نعم، أرى بأن تحذير سميح من ظاهرة “عجائز  زوربا”، وأهمية  “حضور الصمت”،  تحذير  ينطوي على ضوابط أخلاقية هامة لم ينتبه لها – أو تجاهلها – العديد من الأدباء والنقاد في التعامل مع إرث الراحلين من أصدقائهم ومعارفهم. يحضرني هنا – على سبيل المثال لا الحصر –  نشر “غادة السمان” لرسائل غسان كنفاني إليها في تسعينيات القرن الماضي، وكيف أضرّت تلك الخطوة  بمشاعر أسرة الشهيد خاصة وأنهم كانوا على قيد الحياة. هل هناك قيمة فنية تعلو على،  أو تبرر،  نشر ما قد يجرح مشاعر الزوجة والأبناء؟

  ثالثا أشار سميح الى أن كتابته لسيرته الذاتية تأتي إستجابة لطلبات عديدة تلقاها عبر البريد والهاتف والانترنت من تلاميذ وتلميذات من المدارس الابتدائية، طلبة وطالبات من المعاهد العليا والجامعات، أساتذة  وباحثون يطلبون نبذة عن حياته، أو مرجعا ما يتناول تجربته الشعرية .

وفي هذا السياق يؤكد: “تظل قصيدتك هاجسك الأكبر”، ويرى بأن كتابه “في المحصلة ليس أكثر من ديكور ورتوش، ووسائل إيضاح أيضاً على خلفية القصيدة أو على هامشها. وأنت على قناعة بأنّه ما من شيء يستطيع اختراع خط أقصر من الخط المستقيم بين جوهر القصيدة ووعي المتلقي” (ص 279). ورابعاً، هناك مسألة هامة، وإن كانت تبدو هامشية، إذ نقرأ بأن كتابته لسيرته الذاتية لم تكن عبئا عليه، بقدر ما جلبت قدراً من السعادة  له: “عثرت على متعة في إستذكار مسائل لا تخلو من عناصر التشويق الحكواتية، إلى جانب جدوى المعرفة والتوثيق.” ( ص 218).

 كما سبق وأن أشرنا فقد سلك سميح درب الإرتجال في سرده مبتعداً عن قواعد ثابتة، محافظاً على “هارمونية” النص، حاله كعازف ساكسفون بارع يرتجل ألحانه في مقطوعة جاز جميلة، مستلهماً في كتابته من قوالب شعرية أبدع هو شخصيا فيها، ونقصد على وجه التحديد  “الكولاج” و”السربية”.  لعبت الصدفة دورها في إستخدامه لقالب “الكولاج” الشعري لأول مرة مطلع الثمانينات حين شعر بالضجر في إحدى المحاضرات التي كان يستمع إليها في إحدى المؤتمرات “فلم يشعر إلا وقد أخذ قلمه وبدأ يرسم بعض الخطوط ثم يُتْبعها ببيت شعر ثم بتعليق لاذع وهكذا حتى انتبه إلى زميل له يخبره أن المحاضرة انتهت، فجمع كلّ ما كتبه على قصاصات الورق وخرج. وفي غرفته عاد ليتصفّح الأوراق المتناثرة، وأعجبه النّسق الذي جمَع بينها، وعمل فيما بعد على مراجعتها وتنسيقها لتخرج على شكل صورة فنيّة متميّزة، دفعته ليُعاود التجربة ويُطوّرها شكلا ومضمونا، وكان من نتيجة هذا العمل مجموعة كولاج الأولى التي صدرت عام 1983 (مقالة  “كولاج .. إبداع متميّز لسميح القاسم”- د.نبيه القاسم).

 كتب سميح عن كتابه: “إنك تصنع هُنا كولاجاً كبيراً ثلاثي الأبعاد. قد يشكّل بمجمله انطباعاً ما. قد يعرض تكويناً شخصياً إنسانياً ذاتياً تبلورت تقاطيعه وقسماته وملامحه العريضة والدقيقة في أتون التجربة ومرجل الحياة.” أما اسلوب “السربية” وهي القصيدة الطويلة، فهي “قائمة على التداعيات والإستطرادات والتي تتّخذ شكلها من شكل “السَّرْب”، أو تحليق أسراب الطيور وتعدد حركاتها وتحولاتها في إطار واحد.” (ص 213).

أشار سميح الى أن أمانة الذكرى حملته مسئولية التطرق الى “أحداث تبدو صغيرة حينَ تنظر إليها من زاوية ما، لكنها تصر على أنها كبيرة حينَ تتأملها من زاوية أخرى” (ص 172) حاله في ذلك كحال المصور الفوتغرافي البارع الذي يبدع في إختيار  زوايا لقطاته.