خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مصنع شركة فورد لصناعة السيارات، اعترضه أحد العمال، توماس سابولا، واصفاً إياه بحامي المتحرشين بالأطفال على خلفية قضية إبستين. ولم يكن رد الرئيس ترامب على هذا الاعتراض سوى إشارة بذيئة، أعقبتها مباشرةً خطوة من إدارة الشركة تمثلت في إيقاف العامل عن العمل بشكل مؤقت.
هذا القرار فجّر موجة تضامن شعبي واسعة، تجلّت في حملات تبرع عبر الإنترنت دعماً للعامل الموقوف، حيث جُمعت مئات الآلاف من الدولارات خلال فترة قصيرة، في مؤشر واضح على حجم التعاطف والدعم الشعبي الذي حظي به بعد قرار إيقافه.
غير أن هذا التضامن الشعبي الواسع استند إلى عامل حاسم وأساسي لم ينل حظه الكافي من التغطية الإعلامية، تمثل في موقف نقابة عمال السيارات المتحدة (UAW) التي أعلنت بوضوح دعمها لسابولا، مؤكدة على حق أعضائها في حرية التعبير، ومعربة عن استيائها من موقف إدارة الشركة.
وفّر هذا الموقف النقابي الغطاء القانوني والمعنوي للعامل، ومهّد الطريق أمام اتساع موجة التضامن الشعبي معه، وهنا يبرز الدور الجوهري للنقابات العمالية ومهمتها الأساسية في الدفاع عن حقوق العمال المسجلين لديها في مواجهة القرارات الإدارية المجحفة، كما تتجلى قوة النقابة عندما تحسن توظيف أدوات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من المجتمع، بما يسهم في بناء دائرة تضامن شعبي واسعة حول قضاياها.
لقد برز هذا الحدث بوصفه قصة نجاح عمالية بامتياز..
أولاً، لأنه انطلق من قيام النقابة بدورها الأساسي المتمثل في الدفاع عن حقوق عمالها دون تردد أو تبرير، وهو الهدف الرئيسي الذي أنشئت من أجله. وقد جاء هذا الموقف في مواجهة رئيس الدولة بكل ما يمتلكه من نفوذ وقوة، وما عُرف عنه من غطرسة وتعسف، دون أن يثني ذلك النقابة عن التمسك بموقفها المبدئي والصلب.
ثانياً، كشف هذا الحادث بشكل جلي جوهر الحقوق المدنية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير بوصفها حقاً أصيلاً ومطلقاً، وأساساً للمشاركة الفاعلة سياسياً واجتماعياً، وبما يضمن كرامة المواطن وتحقيق العدالة، وفقاً لما تنص عليه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، فضلاً عما تكفله دساتير الدول على المستوى المحلي.
ثالثاً، سلطت الواقعة الضوء على الدور المحوري لمؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والقوية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة المدنية الحديثة، إذ تسهم في رفع مستوى الوعي، ومراقبة أداء الأجهزة الرسمية، والمشاركة في صياغة السياسات العامة، وتشجع على المساءلة والمحاسبة بشفافية.
كما تعزز هذه المؤسسات الشراكة بين الحكومة والمجتمع في مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ فمؤسسات المجتمع المدني تمثل جسراً بين المواطنين والحكومة، وشريكاً أساسياً في بناء مجتمعات قوية، عادلة، ومستدامة، من خلال تفعيل دور المواطن والمؤسسات معاً لتحقيق الرخاء.
ومهما يكن موقفنا من الولايات المتحدة كنظام ودولة وعلى مختلف الصعد، فإن من الواجب التوقف عند هذه الحادثة وما أفرزته من نتائج، والتأمل في أدوار النقابات ومؤسسات المجتمع المدني، ومدى احترام الحقوق المدنية للمواطنين، ومقارنتها بواقعنا الراهن.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين دور منظماتنا النقابية بعد أن جرى العمل على محاصرتها، وإفراغها من قواعدها العمالية، وابتعادها عن هموم ومشاكل الطبقة العاملة؟
ولا يختلف الحال كثيراً في غالبية مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، فبرغم الكثرة العددية التي تعلنها الجهات الرسمية، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة، من بينها التضييق التشريعي والبيروقراطي، ومحدودية التمويل إن لم نقل انعدامه، الأمر الذي أدى إلى خمول بعضها، وتحول البعض الآخر إلى واجهات شكلية، بدلاً من الاضطلاع بدورها التنموي الحقيقي، على الرغم من أهميتها المحورية في تعزيز التنمية والمشاركة المجتمعية.


