في معرض ردي على الأخ عيسى الدرازي والذي طرح عبر عموده (فضفضة / مقالة سريعة ومكثفة بعنوان: “الثقافة بوصفها مشروعًـا مؤجلًا”، في نشرة التقدمي العدد 218 / يناير 2026)، فإنني من منطلق الاهتمام والمتابعة كقارئ يراقب أداء الساحة الثقافية، بداية أشد على يـد الزميل عـيسى فيما تفضل به من وقـفتـه الطيبة نصرة للثقافة في زمنٍ صعب، وهو ما أثار بداخلي حقيقة شهية الرد كمداخلة متواضعة مني علها تثري الموضوع الأساس فأقول:
الثقافة اليوم على صعيد ساحتنا المحلية، جزء كبير من خطابها الإعلامي والفعلي على الأرض أضحى في حراكه موسمياً يسير ضمن مساحات محدودة تتقلص أكثر فأكثر كل عـام عن الذي سبقـه، فالأداء العام لساحتنا الثقافية وكيف بدأ يتراجع زخـم الأعـوام الماضية التي اكتظت بالنشاط والفعاليات النوعـية، حيث تفاعـلنا في اتصالنا مع العالم من حولنا، كنا نعمل على عـرض أفلام سينمائية عالمية من خلال تفعيل قاعات متحف البحرين الوطني، ولدينا صحافة ثقافية راسخة الجذور من وزارة الإعـلام تمثلت في مجلة “هنا البحرين” التي توقف فجأة قلبها النابض وها تتبعـها مجلة البحرين الثقافية التي يقترب منها ذات المصير، بعدما تم ايقافها ورقيًـا وتحولت إلكترونية تحوم في الواقع الافتراضي.
أصاب الزميل عيسى حين نبهنا إلى “أن الثقافة لا ينبغي أن تكون مشروعًـا مؤجلًا وأن الثقافة هي المدرسة التي يتعلم فيها الناس كيف يختلفون دون أن يُقصوا أحدًا. إنها الامتحان الحقيقي لمدى نضج المجتمعات، لأن الإبداع لا يعيش في ظـل الخوف، ولا يثمر في مناخ الإقصاء”.
واقعنا اليوم في تراجع ذي صبغة تقشفية ونحن نبحث هنا اشكالية الثقافة فمن الأمور البالغة الأهمية والتي لم يُـكترث بها في الآونة الأخيرة، وجديرٌ بالذكر طرحها بلا تردد أو السكوت عنها، بأن أدوات الثقافة في ساحتنا المحلية تتآكـل في صمت مريب وتعال أحسب معي النتائج على الأرض والتي تمثلت في التالي:
* توقف أغلب ملاحق الثقافة في صحفنا المحلية.
* تقلص المكتبات التجارية في السوق والتي كانت توفر الكتاب العربي للقارئ والانصراف عن دعـم الناشر المحلي لتطوير صناعة الكتاب والنشر.
* توقف عرسنا الثقافي الأجمل ” معرض البحرين الدولي للكتاب ” من حوالي خمس سنوات أو أكثر وهو ما أدى إلى عـزل ساحتنا الثقافية عن محيطها الخليجي والعربي.
* ركـود التوجه الرسمي في دعـم نشاط الكاتب المحلي بسبب اجراءات التقشف الحكومية.
* تشدد ” إدارة الرقابة ” في وزارة الإعـلام على نتاج الكاتب البحريني في المبالغة بمراقبة كل حرفٍ يُكتب والتوجس من كل كتاب يُطبع خارج البلد ويبحث عن تصريح بحرية التداول.
* توقف الكثير من المجلات المحلية عن الصدور بما ينعكس سلبًا على تطور الصحافة المحلية وخسارة رصيدها الحضاري كمكتسب وطني.
* توقف وغـياب جائزة التمـيـز الأدبية التي كانت ترعـاها وزارة الإعـلام والموجهة للكاتب المحلي، وعـدم تطويرها بما يخدم الحراك الثقافي البحريني وحرمان الكاتب من حقـه في التقدير وسط مجتمعـه.
جُـل هذه الأمور تركت ندوبًـا غـائرة على جسد الثقافة في البحرين حيث يتفاقم أثرها ويتسع بصمت حتى دونما تحرك فعلي يستشعر الخطر من قبل مؤسسات أدبية عريقـة، فعن أي ثقافة هنا نتحدث، دول مجلس التعاون الخليجي شرعـت في ضخ المزيد من الأموال لتطوير ساحاتها الثقافية ابتغاء استثمار قواها الناعمـة فظهرت على خارطتها البرامجية أعـراس ثقافية ومؤتمرات ومعارض كتب متخصصة وفضائيات للثقافة وتأسيس جوائز أدبية وملتقيات ..إلخ من دنيا الثقافة بينما نحن بتنا محصورين في صالونات ثقافية مغلقة ندفع بنشاطنا الثقافي المتواضع فلا يجد مؤسسات داعـمة تؤدي ما عليها من مسؤولية اجتماعـية ولا حتى الجمهور العام يقترب منا وخطابنا الثقافي نقدمه لمقاعـد فارغـة!
الثقافة في البحرين متعبة بمشاكلها وتحتاج خطـة عـمل استراتيجية تقف على أكثر مفاصلها حيوية وأهمية للارتقاء بأدائها الحضاري العام وبالفاعـلين ضمن أروقتها، تعبنا ونحن نثير النقاش وننتقد الوضع الراهـن بلا جدوى، الثقافة في ميزان الدول أضحت قوة ناعـمة تحرك الاقتصاد والتنمية وتستثمـر الطاقات البشرية، ولسنا نقول ذلك ابتغاء التقليل من منجزاتنا الثقافية الوطنية، لكن أيما دولة لما تتأخر عـن تطوير بنيتها الثقافية وتبقى معتمـدة على سردية الماضي، مـع مرور الوقت بدون تطوير رصيدها التنموي الراهن، ستجد نفسها في نهاية المطاف في ذيـل القائمـة، فهذه هي سنة الحياة “لا تقبل الفراغ ” حيث هناك دائمًـا لاعـب جديد يقتحم الساحة كيما يشعل المنافسة.
بالمعنى .. أنت إن لم تطور من نفسك وتواكب الزمن تتراجع بك الظروف وتغادر منصة الظهور ليخفت بريقك، ليت ساحتنا الثقافية البحرينية تعي حساسية الظروف الراهنة لتعيد بريقـنا السابق وتطلق برامج جديدة كإجراءات طارئـة لتدارك ما خلفته الأعـوام الماضية وهذا لا يمكن أن يتم من دون إشراك الكتاب والمثقفين والمسرحيين وكل من لهم عـلاقة بالميدان الثقافي، مهم الآن جمع كل هذه الجهود تحت خيمـة واحدة في مؤتمر وطنـي يوفر منصة رائدة للحوار كبداية للاعـتراف بالمشكلة ثم تشخيصها بشكل دقيق والبدء في رصد الحلول الناجعة لها وإن تعذر هذا الأمر سنستمـر في التراجـع وسنخسر الكثير من رصيدنا الحضاري كمكتسبات ثقافية وأجواء المنافسة من حولنا قطعًا لا تنتظر من يتبع سياسة التأجيل أو اجراءات التقشف .


