قال جورج برنارد شو “إن اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية”، وقيل إنّه يقصد، بسخريته المعهودة، كيف تتحول الاستثناءات عند سوء الإدارة، وكيف يُدار الواقع بمنطق التسيّب المغلّف بالحكمة، وكيف نردد نفس الشعارات دون ان نعرف إلى متى نرددها.
وربما من هذه الزاوية بالذات يمكن فهم، أو محاولة فهم، التعامل مع ملفٍ لا نعرف على وجه الدقة كيف نظر إليه مجلس الشورى حين رفض مشروع قانون يقضي بإلزام هيئة تنظيم سوق العمل بتحديد الحد الأقصى للعدد الإجمالي لتصاريح العمل، وهو مشروع محال إليه من مجلس النواب ..!
مشروع القانون، وباختصار، يدعو إلى وضع سقف صارم لتصاريح العمل، الحدّ من التضخم فى استقدام العمالة الأجنبية، ومن ظاهرة العمالة العشوائية والعمالة السائبة في محاولة لضبط الاختلالات، وحماية التوازن بين العرض والطلب، وتقديم أولوية فعلية للعمالة الوطنية فى سوق العمل. (الصحف المحلية 15 ديسمبر 2025)
علينا ان نتمعن فى بواعث رفض ذلك المقترح، كما علينا أن نتذكر أن البواعث أو الأسباب طرحت مراراً من قبل بعض المسؤولين في أكثر من مناسبة، ويمكن التذكير بأهمها:
– السقف الصارم “يُكبّل السوق” ، ويتعارض مع نهج الحرية الاقتصادية.
– لا يحقق الهدف المطلوب.
– يقوّض «المرونة التشريعية”.
– يعرقل الاستجابة السريعة للمتغيرات الاقتصادية .
– تعزيز فرص العمالة الوطنية يتحقق ببرامج التدريب والتأهيل لا بمجرد تقييد تصاريح العمل.
وهنا تتكثف الأسئلة، أي مرونة هي المقصودة ؟، هل هى تعني غياب الضوابط أم القدرة على التكيّف ضمن إطار واضح وعادل؟! ، ثم هل المرونة تعني ألا يكون لأبناء البحرين أحقيّة فى فرص العمل فى بلدهم؟، وهل نهج الحرية الاقتصادية يسمح بكل التشوهات الحاصلة الآن فى سوق العمل، وتسمح بوجود أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل في تخصصات يحتاجها سوق العمل، مثل الطب، الهندسة، تكنولوجيا المعلومات، وغيرها من التخصصات؟
التجربة تقول إن سوق العمل الذي يُدار بلا قواعد محددة لا يصبح أكثر كفاءة، بل أكثر اختلالًا، وأكثر انحيازًا للأقوى على حساب الأضعف، والمفارقة المؤلمة والمذهلة هي أننا لم نجد من يقتلع من طريق هذا الملف العوائق التى تعيق مسار التعاطي معه الذي لا يمكن، ولا يجوز، خاصةً بالنسبة لأولئك الذين ألفناهم من مسؤولين ونواب وهم يجتمعون، يتحاورون، يصرّحون، ويؤكدون التزامهم بإزاحة الحدود الفاصلة بين الفعل والكلام فيما يخصّ ملف “البحرنة”، وإصلاح سوق العمل، والتصدى للإفرازات السلبية التى تناسلت وتكاثرت تتعلق بهذا الملف، ولكن من دون برهنة عن تقدم، او ظهور انفراجات معبرة عن تقدّم جدي واضح للعيان ولأهل البلد والخلان والجيران يثبت أننا فعلا ماضون فى تقدّم جدي ملموس فى هذا الملف برمته وأساسه من دون المراوحات التى ألفناها وتآلفنا معها.
نحن لا نناقش سوقًا افتراضيًا، بل سوقًا يعاني منذ سنوات من اختلال هيكلي وبطالة بأعداد كبيرة لا يستهان بها بين المواطنين، ضغط على الأجور، وتوسّع غير منضبط في تصاريح العمل، ووجود مستفيدين، إن لم يكن “مافيات” يشكلون سبباً رئيسيا فى كل التشوهات الفجّة التى يزخر بها سوق العمل البحريني، من تضخم فى استقدام العمالة الأجنبية، وعمالة أجنبية سائبة، وعشوائية وبأعداد كبيرة.
إذا كان هذا هو نتاج “المرونة القائمة” فما الذي نخشى عليه بالضبط من التقنين؟، ووجود ضوابط تحدّ من مصالح البعض علي حساب الوطن، خاصة فى وجود أعداد كبيرة من أبناء البلد عاطلين عن العمل.
المؤكد، أن القواعد حين ترفض بحجة المرونة، تتحول المرونة نفسها إلى غطاء للتهرّب من الحسم الذى طال انتظاره، وهو الأمر الذي يجعل السؤال الحقيقي: هل نريد سوق عمل يستجيب للاقتصاد فقط؟ ، أم اقتصادًا يخدم المجتمع أيضًا ويوفر فرص العمل لأبناء البحرين؟
نعود إلى كلام برنارد شو، فهو ليس مجرد إشارة ذكية فحسب، تحمل من المعاني والدلالات، بل تحذير مبكر، حين تصبح “اللاقاعدة” هي القاعدة الذهبية، تفقد التشريعات معناها، وتُدار الملفات بردود الفعل لا بالرؤية، ومن المؤكد أن العمل، بما يمسه من كرامة الناس وأمنهم الوظيفي، واستقرارهم الاجتماعي، لا يحتمل هذا النوع من التجريب المفتوح.
المرونة الحقيقية ياسادة لا تُبنى على الفراغ، بل على قواعد واضحة، تُراجع عند الحاجة، والمصلحة الوطنية، وهذه المصلحة قبل كل شيئ، وجعل البحريني حقاً وفعلاً الخيار الأول وفق سياسات توظيف صارمة وليس شعارات نرددها، دون شفافية، أو مساءلة فى عمليات التوظيف، او دون حسم يضع حداً للمراوحة فى حسم هذا الملف، وحسم هدف يردد على مسامعنا منذ سنوات طويلة حتى اليوم وهو ربط التعليم بسوق العمل.
بقي مهماً القول إن تشكيل لجنة تحقيق نيابية في ملف شواغر التوظيف خطوة مهمة، لكن أهميتها الحقيقية تكمن في السياق المحيط بها، بمعنى إما أن تكون فرصة لكشف الحقائق بالأرقام والوثائق وتصويب كل ما يتعلق بهذا الملف، أو إضافة جديدة لتكرار المكرر من الإخفاقات والمراوحات التى لا أب لها يسأم أو يرحم.


