في أثر زوبعة لا تُرى

0
55

لا يشغلنا الهمُّ عمّا هو أهمّ*

اقتبس مؤلفٌ مصري فكرةً ساخرة تُقال مجازاً على ألسنة فاضت بالمعاناة، وتأتي غالباً في صيغة سؤال: متى سيأتي ذاك النيزك الذي ينهي الحياة على كوكب الأرض؟ ناقش فيها فكرةً خيالية لنيزك يقترب لينهي الحياة على الأرض، وبين شاشة التلفزيون والممثلين كان الحدث. ورغم حيوية الفكرة، والقدرة على التشعّب فيها بشكل مبهج، فإن ثمة موانع أرجعها –ربما– إلى قلة الخبرة أو التوجيه للمؤلف/المخرج الشاب، جعلت من الحدث الخارجي حدثاً سطحياً لا علاقة مباشرة له برسالة العرض أو أداء الممثلين، وتم استعراضه في قرابة الساعتين من وقت المتلقي، بلا تطوّر في الحدث.

على سياقٍ متصل وواعٍ من فكرة الحجر الذي يُرمى لتحريك الماء الراكد؛ استعانت الكاتبة المسرحية الكويتية تغريد الداوود بفكرة «الزوبعة» التي تُطرح ليس بوصفها عاصفة طبيعية وكارثة وحسب، بل باعتبارها مختبراً إنسانياً وأخلاقياً يكشف كيف تضيع الحقيقة –ولو كانت نسبية– بين التصديق والانقسام واللا مبالاة؛ وكيف يتحوّل الخطر الخارجي إلى انهيار داخلي حين يعجز الإنسان عن الفهم، والإجماع على وجهة نظر واحدة مع الآخرين واتخاذ موقف واضح؛ حيث يقوم نصّها «الزوبعة خارج الفنجان» على حدث مركزي واحد هو اقتراب الزوبعة، التي تتحوّل إلى استعارة كبرى لحالة الاضطراب والتهديد التي تحيط بالمجتمع، بينما تتوزع الأحداث في مشاهد منفصلة تتغير فيها الأمكنة والشخصيات، ويبقى الحدث نفسه هو الرابط بينها.

الإشارة الأولى تقوم على اختيارٍ موفق لشخصية «الفلاح» الذي يُفاجأ بزوبعة تهزّ الأرض أثناء عمله، وهو عمل يتطلب أن يكون قريباً من الأرض، ويشعر بها -يقيناً- قبل الآخرين. والعرض في جوهره يتناول الزوبعة في تمثيل رمزي للعاصفة الفكرية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان في الشرق الأوسط، والتعبير بخطاب ثقافي عن العجز الجمعي الذي يسيطر على الجميع؛ حيث ينتقل بنا بعد ذلك إلى فضاءات أخرى يتجادل فيها خبراء الأرصاد الذين تتضارب تفسيراتهم، ويتحوّل التحذير من الخطر إلى صراع كلامي ينتهي بانقطاع البث، بما يعكس عجز الخطاب الرسمي والإعلامي عن تقديم حقيقة واضحة.

الإشارة الأخرى حين يعلو النقاش في مقهى شعبي، وينشغل الناس بصراعات هامشية (تشجيع كرة القدم/ جدل الشاي والقهوة)، بينما يحاول الفلاح تحذيرهم من اقتراب الزوبعة، لكن صوته يضيع وسط الضجيج والانقسام، إلى أن يُعلن رسمياً عن مرور الزوبعة، ليتخذ العرض بُعداً رمزياً أعمق في مشاهد لاحقة؛ كأن تظهر شخصيات تمثل اليمين واليسار والوسط، تتصارع في خطابات آيديولوجية متناقضة حول المسؤولية والنجاة، ومشهد قارئة الفنجان التي تكشف عن نبوءات شعرية لحالة التيه والضياع وفقدان الاتجاه، في خط مهتز بين التصديق والخرافة التي باتت خارطة حياة عند البعض.

والفاقد والمفقود ينتهيان في متاهة؛ كلٌّ منهما يصرّ على أن طريقه هو طريق النجاة، دون أي اتفاق أو يقين. وهنا تتجسد أزمة الإنسان المعاصر الذي يبحث عن ذاته في عالمٍ فقد الاتجاه. فهما يتجادلان حول الطريق الصحيح: مع التيار، أم ضده؟ وهذا السؤال يعيد إنتاج المعضلة الثقافية الكبرى: هل الخلاص في الطاعة والانصياع، أم في التمرد والمواجهة؟ لكن كليهما يضلان الطريق؛ لأنهما لا يملكان البوصلة. إنهما يمثلان انقسام الذات العربية بين الخوف والرغبة في التغيير، بين الحداثة والتراث، بين الدين والعقل. أحدهما يخشى أن يضيع القبلة فلا تُقبل صلاته، والآخر يخشى كذلك أن يضيع بيته فيظل مشرّداً. المتاهة التي يدوران فيها ليست مكاناً، بل رمزاً للوعي المعلّق؛ حتى لو أتى مَن يوجّههما، فلن يكون هذا الأمر متفقاً عليه.


لكن الطامة الكبرى التي يُبنى عليها كل ما سبق، تتجلى في مشهد الزوبعة حين تنتقل إلى “البيت” حيث الأساس، بيت أسرة ينقسم أفرادها بين الانغلاق خوفاً على الذات، والدعوة إلى الانفتاح والمساعدة. يحاول الأب حماية البيت بإغلاق الأبواب والنوافذ، لكن الخطر يتسلل من الداخل: تصدعات/ مياه/ انهيار إلى أن تنتهي الأحداث بذعرٍ جماعي متوقع، يقترح فيه النص دخول المراقب وإيقاف المشهد، للتأكيد أن ما حدث ليس إلا عرضا متكررا يمكن إعادته في أي وقت، بينما الرؤية الإخراجية انتهت بجعل النهاية متناسبة مع مسائلة الوعي عند الانسان الذي ينشغل بالسطحي والتافه، ويُغفل الخطر الحقيقي.

فالمجتمع -كما يُصوّره العرض- يعيش حالة تشويش دائمة: أصوات متضاربة، وخبراء يتنازعون على الهواء، وجماهير تهتف في المقهى، وأسرة تختبئ خلف الجدران، كأنَّها تجسيد لثقافة الصوت بلا معنى، والثرثرة التي تملأ الندوات التي نعرفها بكلام عريض ومصطلحات فجة من فرط صعوبتها، لا تصل إلى متلقٍّ واحد، فتتلاشى الحقيقة التي ينبغي أن تُقال. الزوبعة ليست خارج الفنجان فحسب، بل خارج الوعي أيضاً؛ إنها تهبّ من الخارج، لكنها تجد في الداخل هشاشة تسمح لها بالتمدد. وبين الخارج والداخل تنكشف أزمة العلاقة بين الإنسان ومحيطه: المقهى حين يتحوّل إلى ساحة صراع للهوية، والأسرة التي تظن الأمان والنجاة في العزلة، وغيرها من التقسيمات التي تقدّم تشريحاً ثقافياً لماهية الأفراد وانفصالهم عن العالم. نعيش في فناجين صغيرة من الوعي المحدود لنحمي أنفسنا من التخلي عن «المنطقة الآمنة» التي اعتدناها، مدافعين عمّا خُلقنا به، ولم نجتهد للبحث عنه، أو تبيان صدقه، أو حتى الاقتناع به، لنجد أنفسنا -مع مرور العمر- قد صنعنا سجننا بعقليتنا هذه.

ويمكن فهم الشخصيات بشكل أكبر من خلال قراءة النص، التي لا تتاح حين لا يكون منشوراً. لذلك، وإزاء العرض الواحد، قد تتحوّل هذه الشخصيات المبنية بعناية من قبل المؤلفة إلى شخصيات نمطية أو رموز أكثر من كونها شخصيات مكتملة لها ملامحها الخاصة. كما أن علاقة المتلقي بالحدث أو الشخصيات تتخذ هذا المنحى أيضاً؛ فالنص يوجه للفهم عبر الحوار، بينما لا يفعل العرض ذلك؛ لأن المشاهد قد يحتار أو يختلف في الفضاء التجريدي القابل للقراءة الرمزية.

ويظهر أكثر المشاهد عمقاً في العرض في المقهى؛ حيث يتخذ الصراع بين فئتي الشاي والقهوة شكلاً ساخراً وساذجاً –في الظاهر–؛ فالقهوة -في عين مناصريها- تدل على الأصالة والتراث العربي، بينما الشاي يرمز إلى التبادل الثقافي والتأثر بالآخر. وهكذا يتحوّل نقاش مشروبيْن إلى صراع ثقافي ورمز للهوية الملتبسة. والصراع لا يُحسم؛ لأن المسرحية لا تريد إجابة، بل تكشف عبثية النزاع حول الرموز في مجتمعات فقدت المعنى الحقيقي للهوية، وتشبثت –إلى حد التزمت– بما هو غير ضروري.

أحسن المخرج استخدام قطع الديكور المحدودة والإضاءة الدقيقة للتركيز على الفكرة، وبيان أثر الزوبعة في توالي المشاهد، حتى في خلق الإيقاع الداخلي، دون الحاجة إلى مؤثر خارجي أو موسيقى مصاحبة تعطي معنى للحدث، مثل مشهد العرّافة الذي يتصاعد بدَقٍّ متواصل يواكب ما قالته. الأزياء أيضاً كانت متسقة مع الحدث لعموم الممثلين؛ ألوان خيش موحدة بنفس التصميم، دلالة على الوقوف على الدرجة نفسها من الوعي، حتى لو اختلفت الأشكال والألوان والأطوال والأعراق. كذلك ظهر في الكتيب الدعائي للممثلين مكياج وتأثيرات على الوجه لم تُبنَ في العرض –أو ربما كانت غير واضحة– علماً بأن وجودها كان سيرفع الدلالات لتأكيد المضامين، وربما يضفي على الشخصيات تفرداً غير الذي يظهر مع المجاميع.

كان اقتراح المؤلفة أن يكون هناك مراقب يفتح العرض وينتهي به عبر جهاز تحكم، فيتحكم بالحدث كما يتحكم بالإعلام. هذا المراقب ليس شخصية درامية فحسب، بل رمزاً للسلطة المعاصرة التي تدير المشهد الثقافي والإعلامي، وتضبط الرؤية، وتقرر متى يبدأ العرض ومتى ينتهي؛ وهي حيلة ذكية يمكن وضع الكثير من التأويلات لها، وتضع العرض أمام سؤال عن ماهية المراقب ومعناه. وحتى لو لم يكن موجوداً –حسب رؤية المخرج حسن فلامرزي– فقد وضع مشهد المذيع الذي اتخذ واجهة علنية لبث الطمأنينة الكاذبة للعامة: «كل شيء تحت السيطرة»، في حين أن الخطر محدق وقريب. وهكذا يدين عرض «الزوبعة» هذه الهيمنة التي تمارس تنويماً مغناطيسياً للشعوب بوضعها في إطار الاستقرار الزائف، في حين أن ما يُحاك في الكواليس أكثر مما يظهر في الصورة العلنية.

في المشهد الأخير، تُغلق الأسرة الأبواب والنوافذ ظنّاً أن العاصفة ستبقى في الخارج، كما نفعل حين نواجه مشاكلنا الكبرى، وننتظر الأقدار أن تحلها بدعاء مُلحّ. لكن حين لا يستجاب، يتصدع الجدار ويتسرب الماء، وينهار البيت، كما حدث مع الأسرة التي فضّلت العزلة تحت مظلة الحذر، لكن مآلهم وبيتهم إلى الخراب. وهذا البيت ليس مكاناً مادياً، بل رمزاً للوعي المغلق الذي يخاف السبب، ويخاف الأسئلة والمواجهة والتغيير. وهنا تكتمل الدورة المأساوية؛ فالزوبعة لم تعد في الخارج، بل في الداخل تماماً.

أجدُ في نص الداوود فكرة عميقة تُقدَّم لجمهور من كل المستويات، وتُلقي برموز صغيرة تُفضي إلى أسئلة مهمة: هل تأتي الفوضى من داخلنا، أم من الخارج؟ وهل الخلاص في الانغلاق، أم في المواجهة؟ هي قراءة رمزية واعية لثقافة الإنكار والخوف التي أنتجت الإنسان المتفرج العاجز عن الفعل، واشتغال مجتهد تماماً من المخرج حسن فلامرزي، الذي يتعاون للمرة الأولى مع الكاتبة، وتعامل فيه مع الرمزية المتقنة، وركّز على المعنى النفسي أكثر من الحبكة التقليدية، واعتمد البناء التفكيكي والمشهدية والإيقاع بدل السرد في البنية الدرامية التي مالت نسبياً إلى الكلاسيكية. ويعد هذا العمل نقلة مختلفة وناضجة عن أعماله السابقة التي تميل إلى المجاميع والروح الشبابية الخفيفة. فـ«زوبعة» الداوود وفلامرزي ليست مجرد عرض ممتع، بل عملاً يرمي بالتحليل والرموز والمعاني النفسية والاجتماعية، ويمنح فرصة لمراقبة الذات والتفكير النقدي، ليس عن الزوبعة فقط، بل عن العجز عن قراءة الزوبعة داخل وخارج الفنجان.