في الفرق بين فنزيلا وكوبا

0
15

عقب هجومه السافر على فنزويلا رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يده محذرا كوبا من مصير مشابه قائلا “سننظر في أمر كوبا في الأيام القادمة”.

الواقع أن ترامب بذكره لكوبا مباشرة عقب انتهاكه لكركاس أراد للعالم أن ينظر لهافانا بنفس العين والميزان واعتبار البلدين وجهين لعملة واحدة، ليسهل عليه التسويق بعدها لأي فعل عسكري أو تدخل أمريكي قد يحدث على هذه الجزيرة الكاريبية

والحقيقة أن التشابه بين فنزويلا وكوبا تماما مثل التشابه بين الليل والنهار. صحيح أن نظام الحكم اشتراكي في كلا البلدين، ومع ذلك بينهما من الفرق ما بين السماء و الأرض من مسافة، فبينما أنشأ النظام الحاكم في كركاس لنفسه، منذ ما يقارب الثلاثين عاماً، دولة داخل الدولة بتكوينه لمليشيات تدين بالولاء للثورة الشافيزية وليس لفنزويلا، ويتكوّن أفرادها من عناصر أجنبية لها نفوذ واسع داخل البلد، وأيضا من مؤسسات مدنية و سياسية تخدم مصالح الشافيزية على حساب مؤسسات الدولة العامة مما جعل الدولة الفنزويلية غاية في الهشاشة، وعلى شفير التفكك والانهيار أمام أية محاولة لتغير نظام الحكم وإزاحة الشافيزية.

وتحدثت الكثير من التقارير عن أن نظام الحكم في فنزويلا، وبالرغم من أنه قام بطرد شركات البترول الأجنبية وعلى رأسها الأمريكية في الماضي ليلبس ثوب الاشتراكية التي تعيد الممتلكات العامة للشعب، إلا أنه باع الدولة بأكملها للمليشيات والجريمة المنظمة مقابل تقوية حكمه وضمان استمراره.

بينما كوبا، وعلى الرغم من التراجع المروع في اقتصادها، وفي درجة تأثيرها على مجريات الأحداث العالمية، فضلاً عن عزلتها الطويلة جداً التي رمت بها في غياهب النسيان، فإنها ظلت حرة أبية، لم تنكسر يوما ولم تتراجع عن مبادئ الثورة الاشتراكية بقيادة فيديل كاسترو قيد أنملة.

احتفظ النظام الحاكم في هافانا بالسلطة عن طريق تمسكه بمبادئ الاشتراكية، ولم يلجأ للأسلوب الرخيص بتأسيس دولة داخل الدولة للحفاظ على وجوده كما فعل الذين يرأسون كركاس والنماذج كثيرة غيره من جميع أنحاء العالم، ففي كوبا هناك جيش واحد ومؤسسات دولة قوية موحدة وتعليم حكومي عادل ومجاني ونظام صحة وطني  يتساوى امام ما يقدمه من خدمات مجانية جميع سكان البلد، فلا وجود للتعليم الخاص ولا للمستشفيات الخاصة في كوبا، ولا أحداً  تحدث يوماً أن حكومة هافانا باعت شيئاً من الثروات الطبيعية للبلد لجهة أجنبية، ولا سلّمت استقلاليتها لقوى إقليمية أو عالمية، أو أنها تدخلت في الشئون الداخلية لاي بلد آخر يجاورها.

ستون عام من العزلة والعقوبات الاقتصادية لم تكسر كوبا، ولم تحنِ هامها المرفوع في وجه الإمبريالية العالمية ووحش الرأسمالية.

صحيح أن هذه العقوبات جعلت الحياة في كوبا غاية في الصعوبة، وضيّقت الحال وأفقرت الشعب الكوبي وكسرت أحلام الشباب وكانت المسبب الرئيسي في ان تصبح الهجرة سبيلاً للنجاة وليس خياراً بالنسبة للشباب الكوبي، إلا أن كوبا حققت الريادة في الكثير من المجالات على رأسها المجال الطبي والبحث العلمي، حيث نال الطب في كوبا شهرة واسعة في مختلف أنحاء العالم وأصبح للطبيب الكوباني مكانته المميزة أينما حل.

يسافر المرضى الذين وقف الأطباء حائرين في أمر علاجهم من كل أنحاء القارة اللاتينية لتلقي العلاج الناجع في كوبا التي هي الأمل الأول والأخير في الشفاء، وأصبحت هافانا هي الوجهة الأولى للرعاية الصحية حتى بالنسبة لمواطني دول تعتبر قوى عظمى كالبرازيل والمكسيك والأرجنتين.

ستون عام من الخنق الاقتصادي الأمريكي، وما يزال كل شيء في كوبا بعافيته ويعمل بكل ما هو متاح من طاقاته؛ القطارات؛ الطيران، الزراعة، التصنيع، التصدير، الصيانة، إعادة التدوير، البحث العلمي، الاكتفاء الذاتي، وفوق ذلك ظلت كوبا حرة مستقلة سيدة نفسها شامخة.

 وعندما أشار ترامب لكوبا كمرادف لفنزويلا ليوهم العالم بتشابه غير موجود بين البلدين إلا في أحلامه، فهو بذلك يحاول أن يحقق ثأراً قديماً، و يشفي حقداً ما يزال يغلي في أعماق الصدر من هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية التاريخية أمام قوة وعنفوان وعدالة الثورة الاشتراكية الكوبية التي  كان لها دور في تغيير وجه العالم ستينيات القرن الماضي، وما تزال شامخة كشاهد حي لكل الإنسانية على أن العدالة الاجتماعية ومجانية الحقوق الأساسية للمواطنين من تعليم وعلاج وكفالة مجتمعية ممكنة ودائمة وصامدة أمام جبروت وسلطان رأس المال والقطاع الخاص وإقطاعيه الجدد.