لطالما كانت أزمة التناقض الموجودة في حياتنا، عنواناً مثيراً للجدل وباعثاً على طرح الكثير من الأسئلة؛ التي تجعلنا نقف، ولو قليلاً، على بعض الحقائق والأزمات المتفشيَّة في أوطاننا ومجتمعاتنا. ولو كان هنالك عنوانٌ حقيقي ومطلوب في دولنا، لتبلور في أزمة التناقض الموجودة، في مسألة السياسة والإرادة.
في تعريف السياسة والإرادة، يجب أن نقول: بأنها التنظيم والإدارة من جهة؛ وكيفية التفعيل والتطبيق لهذه الإدارة من جهة ثانية. والجانب النظري والفكري في هذه المسألة، هو من المناهج المهمة والحضارية في عالم اليوم، الحافل بالعديد من الأساسيات الحديثة والعلمية؛ والتي تختصرها قيم الأنظمة والمؤسسات، فضلاً عن جوانب التقدم الصناعي والتكنولوجي في المجالات المختلفة.
لماذا السياسة ولماذا الإرادة..؟ لأنها المعنى الإنساني والوجودي الأبرز في الزمن الحديث والمعاصر، الذي يتقدّم في كل لحظة إلى الأمام، على أكتاف الحروب والتحديات والأزمات والصراعات. ونحن في منطقتنا، المنطقة العربية، نعيش أدواراً متراجعةً وهامشية، ولأسبابٍ متعـددة؛ أبرزها، باعتقادي، هو التراجع والإنهزام، في مناقشة “أزمة السياسـة والإرادة”.
التحديات الداخلية للبلدان العربية ليست متعلقة بالجمود والتراكمية فحسب؛ بل بمنظومة الإهمال والتغييب، لكل مسارات الإصلاح الجذرية، التي تقترب من ثنائية الإرادة والسياسة، وحروب الوعي الحقيقية، تبدأ من صياغة الحقائق والمسارات، التي تتجاوز القيود المفروضة وسياسات الهيمنة؛ على الأفكار والحريات والقيم، التي تتبنى مشروع الوحدة والتنوير في المجتمع، في مواجهة المصالح الآنية والفئوية، على حساب المصالح الوطنية والمستقبلية.
أسئلة الطوفان بين الوطن وفلسطين:
لم تكن القضية الفلسطينية، ولا الحق الفلسطيني، يعيش أياماً صعبةً مثلما عاشتها المنطقة العربية، وفي قلبها فلسطين، ما قبل السابع من أكتوبر. وفي حين أن خيارات التطبيع الواهنة؛ تسير شيئاً فشيئاً، نحو تهميش ونسيان القضية الفلسطينية والمقدّسات العربية هناك؛ الإسلامية منها والمسيحية. وقبل تمادي الإحتلال على الأماكن التاريخية والحضارية للفلسطينيين، فهو يعمل في الليل والنهار، على التطهير العرقي والقومي للسكان الأصليين في وطنهم؛ عبر مشاريع تدريجية متواصلة، بالعنف والثقافة والسياسة، ضدَّ أبناء الوطن الفلسطينيين. (ومن الجدير بالذكر هنا، ما أشار إليه أحد مثقفي لبنان، سليمان بختي؛ عندما أشاد بكلمات نجيب محفوظ – على المستوى الثقافي والحضاري – عندما تسلَّم جائزة نوبل للآداب عام 1988؛ والتي كانت تنتمي إلى الحق والخير والرقي البشري بأسمى معانيه. وقد أكد محفوظ في رسالته على أصالة حقوق الفلسطينيين وهويتهم، واصفاً تاريخهم، أي الشعب الفلسطيني؛ بالعريق والمتجذر والمتصل، بين الأبناء والآباء وأجداد الأجداد.)
إن هذه الإضاءات التاريخية والثقافية، تحمل تأكيداً على أصالة الحق والمبدأ، الذي تمَّ نسيانه وتهميشه، بوضوح؛ على مدى أكثر من سبعة عقود. وقبل السابع من أكتوبر، كانت المنطقة العربية تعيش مساراً سيئاً وجامداً ومتراجعاً في وجه المصالح والهيمنة الأمريكية والغربية؛ والتي تعني، تلقائياً، المصالح والهيمنة الإسرائيلية. وإن هذا المسار الطويل والمعقد – على المستوى التاريخي والحضاري – وأيضاً في الأبعاد والمصالح الجيوسياسية؛ والتي هي قائمةٌ على وقع حروب المنطقة وانقساماتها التقليدية الساعية، دائماً، إلى إثبات الوجود والتنافس فيما بينها. وعندما نستغرق في تحليل ومقاربة هذه الأزمة، من دون التأكيد على المبادئ الإنسانية والحضارية المطلوبة؛ والتي تتمثل في منظومة القيم والمصالح المشتركة، نكون مساهمين في “سياسة التراجع والأنانية”، البعيدة عن جوهر السياسة ومعاني الإرادة.
خيارات الطوفان والبحث عن المعنى:
لقد كان الجمود والتخدير، هو سيّد الموقف عشية «الطوفان»؛ أي ما قبل السابع من أكتوبر. الجمود والتخدير في كل شيئ تقريباً. في مآلات الحقوق الفلسطينية والإحتلال الإسرائيلي من جهة؛ وفي غياب الإصلاح السياسي والديمقراطي – والذي يتمثل في تراجع العدالة والحريات في المنطقة العربية – من جهة ثانية. وكانت الخيارات والقوالب الفكرية والسياسية عاجزة عن إصلاح وتغيير الشؤون الداخلية للبلدان العربية. وبالمقابل أيضاً، فقد كانت تائهة وغير مدركة حقاً، إلى فهم حقيقة وأبعاد الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، كقاعدة استعمارية متقـدمة للمصالح الغربية والأمريكية؛ على مستوى المشرق العربي والدول العربية.
القضيّة الفلسطينية إلى أين..؟ نعم، هذا السؤال المهم والمركزي الذي تناوله «الطوفان» في البداية، بعد أن ترك آثاره الكبيرة على الساحة الإقليمية والدولية. وبعدما انحدرت المنطقة بمـسارات التطبيع الواهنة؛ تبلورت، منذ ذالك، الصورة والرؤية لأهمية «الطوفان».. من أجل مواجهة الموقف وتغيير المسار الذي يتحدث عن نفسه منذ ولاية ترامب الأولى بالدعم والتأييد والحماية، وصولاً إلى اتفاقيات التطبيع المأخوذة بالعقيدة الدينية في فترة رئاسة بايدن، والتي وصفوها بـ “الإتفاقيات الإبراهيمية”. وإن استخدام هذه الصيغة التاريخية والدينية، تمثل الصورة الواضحة لعقيدة الإحتلال القائمة على الأساطير الفكرية والتضليل، من خلال أدوات الهيمنة الإعلامية؛ والتي تعمل على تأسيس المناخ والمشروعية، لسياسات التطبيع والتداخل مع المنطقة العربية.
هل هنالك شيئ منطقي في الغطرسة والإحتلال..؟ لا أعتقد ذالك؛ ولكنه يكون منطقياً وطبيعياً جداً، في عالم الضعف والجمود والإنهزام. وهذه القواعد الأخيرة، هي العنوان القيمي والثقافي والفكري، والذي تعمل عليه المنظومة الغربية والرأسمالية؛ التي ترعاها سياسات الهيمنة الأمريكية والإحتلال الاسرائيلي. وإن الصراعات والحروب في منطقتنا والعالم، هي التضاد الواضح بين السياسات المختلفة والجذرية بين المتحاربين والأقطاب. وقد وصل العالم اليوم، إلى مرحلة الذروة الكبرى؛ في الإثبات والتمرير للقيم والمبادئ والأهداف. وهنا يكمن جوهر الرواية، في عناوين القوّة والتحرر والإنتماء.. بتلك الخيارات الوجودية والاستراتيجية؛ من خلال سياسات السيادة والإستقلال والكرامة الإنسانية. وإن هذه المقاربة المهمة، تنتمي إلى الأبعاد الفكرية والثقافية والأيديولوجية؛ وهو أمرٌ من الجدارة والمسؤولية والشرف، أن نجاهر فيه ونفهمه؛ احتراماً وتقديراً للتاريخ، وأيضاً للتضحيات الكبيرة التي مرّت بها دولنا ومنطقتنا وشعوبنا؛ على مدى العقود والسنوات والمراحل الماضية.
الطوفان يكتب الأهداف:
لم تكن العملية الفلسطينية الباسلة، في تاريخ السابع من أكتوبر، نوعاً من العملية العادية أو التقليدية. ولم تكن، بنظر المراقبين؛ الأصدقاء قبل الأعداء، مفهومة الأبعاد أو الرؤية. ولكنها تبلورت من خيار الضرورة، الوجودي والحضاري والاستراتيجي؛ والذي صاغته القيادات الفلسطينية المخلصة – وَهُم جميعاً مُخلصون – من قلب الوجع والإنتماء والأرض؛ فكانت هندسة “الطوفان” على يد الشهيد السنوار. وفي حين أن التساؤلات، قد برزت في الأيام والأسابيع الأولى من الطوفان؛ عن صوابية الحركة وأبعادها، وعن حسابات التوقيت والمسؤوليات. فإن الواقع الذي تركته على الساحة العربية والإعلامية والدولية، كان كفيلاً بقلب موازين جميع الأسئلة والحسابات.. وهو الذي حصل من قلب الجغرافيا المنسيَّة بالحصار والإبادة؛ والتي عرفها العالم لاحقاً، بإسم غزّة.
المعاني العميقة للفهم التاريخي والتحليل السياسي، هي التي تجعل من الأحداث ذات قيمة ورؤية، في شؤون التغيير وعالم السياسة. ولأن تاريخ القضيَّة الفلسطينية، قد تجاوز السبعة عقود؛ ولكنه من بعد “الطوفان” بدأ يتبلور من جديد، في توضيح مسارات الوعي والتجديد ومساءلة المصير، حيث حدد “الطوفان” تلك المسارات بدقة متناهية؛ جعلت من الجميع أن يقفوا على المسار الطبيعي من التاريخ، الأصدقاء قبل الأعداء. ونحن نكتبها للمرّة الثانية. ذالك أن الصديق أو القريب – في القومية أو الهوية أو الجغرافيا – قد ينطوي، بمعطيات الأمس؛ إلى سياقات القبول والإذعان وغياب الرؤية. ولكن حسابات اليوم – وعلى ضوء «الطوفان» وأهدافه – فإنها تمنحه الفضل في كل شيء.. من حسابات النهوض والمشاركة والفعل؛ وصولاً لحسابات التأثير والإستقلالية.
أثمان الطوفان:
الحرب الكبيرة التي شهدتها غزّة دلالة واضحة على حجم المكانة التي أرساها “الطوفان” في المعادلات القائمة. وقيمة الرواية والتأثير الإعلامي التضامني مع قضيّة فلسطين وحقيقة الصراع؛ كان مشهداً مُهِماً ومُلهِمَاً في المرحلة الأولى من الحراك والطوفان. ولم يتوانى الإحتلال الإسرائيلي، عن “اختلاق الأكاذيب والترويج للقصص” المرتبطة بالعواطف الإنسانية؛ من أجل تزوير وحجب رواية الفلسطينيين، النزيهة والمشروعة. ومعادلة القوّة والأخلاق، هي من المقاييس المهمة في أغلب الصراعات والقضايا في هذا العالم؛ ولكنها تحمل خصوصيةً ومكانة، في مسألة الصراع العربي – الإسرائيلي.
التضامن مع غزّة في وجه العدوان وحرب الإبادة، تجاوز الأبعاد العربية والإسلامية – بالرغم من أهميته في الوعي العام – ليصل إلى الأبعاد الأممية والدولية؛ وبين العواصم والبرلمانات، إلى الجامعات والتحركات الطلابية. وقد قرأنا على وسائل التواصل الإجتماعي، ما يكتبه المثقفون والنخب حول التحركات التي شهدتها الولايات المتحدة؛ بأنها لحظة فارقة في التاريخ الحديث.. تلك التي تجاوزت الخوف وتصنيفات الماضي الظالمة، نحو مساحات التعبير والحرية؛ من خلال التضامن الواضح مع الفلسطينيين وروايتهم العادلة.
إن المجتمعات على مستوى العالم – الأمريكية والغربية تحديداً – كان بحاجة إلى تلك الشرارة من أجل التعبير الإنساني والطبيعي عن حاجات الإنسان في العيش الكريم؛ وسط عالمٍ يسير في كل يوم، بل وفي كل لحظة، نحو الثقافة الرأسمالية والمادية البحتة؛ من خلال انعدام الشعور بالتعاطف والفهم والمعنى.. مع مفاهيم مهمة وجذرية؛ مثل “الإنسان والعدالة والأمن والتنمية”. وكل هذه المفاهيم والقيم، تنطلق من غزّة، من أجل أن تستنطق العالم والسياسات والدول؛ عن تَبِـعات الصمت والتطبيع والخضوع، وعن المواقف المفروضة في مواجهة ذالك.
مكانة الإنتماء وقيمة الوطن، لم تكن يوماً نوعاً من أنواع الترف لدى أهل غزّة؛ بل كانت تجسيداً في كل لحظة لمعاني التضحية، من خلال الصبر والإلتزام بالأرض. وإن الرواية التي كتبها أهل غزّة بدمائهم، هي الحضور البليغ إلى الأسطورة التي يجب أن تنحني للفلسطينيين وايمانهم.. وأن تخجل من أي رواية ثانية؛ مهما تزيفت بعناوين الإزدهار والحضارة.
مراحل حاسمة من الطوفان
أما في جنوب لبنان، فقد كانت الحرب مشتعلة منذ الأيام الأولى للطوفان. وقد شغلت هذه الجبهة الجديدة، في العناوين السياسية اللبنانية والعربية، النقاشات المتبادلة؛ عن طبيعة الأحداث وتبعاتها على لبنان والمنطقة. وعندما نتابع الأحداث من بعيد، وهي تتجه نحو معادلة التصعيد التدريجي، وبين الردّ والردّ المتبادل؛ يتضح للمراقبين الأهمية والحساسية الكبيرة، لإتخاذ قرار فتح «جبهة الإسناد» من جنوب لبنان. وأن التاريخ سيشهد، لصاحب القرار وللقيادة هناك؛ عن مكانة التأثير والأولوية، للحسابات والمصالح الأخلاقية والسياسية. وهذه الإشارة، ليست نوعاً من المفاضلة أو المنّة على الخيارات والمواقف؛ بل نوعٌ من تجسيد الإستحقاق والرؤية، من خلال المشاركة بالمشروع والقيم في ميدان المواجهة.
الكتّاب والنخب في لبنان كانوا ولا زالوا، يتناقشون حول صوابية قرار فتح الجبهة من عدمه؛ وذالك لأهميته وحساسيته، على مستوى القرار الوطني والمصير المشترك. وأن صوابية القرار في المشاركة في بدء «حرب الإسناد»، تأخذ بُعداً أخلاقياً ووجودياً؛ أكثر منه، سياسياً وذاتياً. وأن ذالك القرار، لم يتغافل يوماً عن الإعتراف والتواضع؛ أمام الخسائر والتبعات، البشرية منها والمادية.
في ترتيب الأحداث وتسلسلها في لبنان، كان تاريخ السابع من أكتوبر هو البداية.. وقد ترافق معه، في اليوم التالي، قرار فتح «جبهة الإسناد». وبعد ذالك، وصلنا إلى مرحلة شهر أيلول / سبتمبر من العام 2024، والذي شهد أصعب المراحل وأكثرها حزناً على البيئة هناك، من خلال تصفية واغتيال قيادات الصف الأوّل؛ وأيضاً حادثة “البيجر” المعروفة. ولكن المرحلة التي تلت هذه الأحداث؛ كانت، بالفعل، رواية ذات طابع مختلف وتاريخي، بكل معنى الكلمة. فقد بدأت، وقتها؛ حرب الـ 66 يوماً، على لبنان وجنوبه.
عندما بدأت الحرب هناك، كانت الأبواب مشرّعة لجميع الاحتمالات والتحديات؛ فالخسائر البشرية والمادية كبيرة.. والقدرة على ضبط الأنفاس، كانت احتمالاً وارداً فقط، من خلال منهج العقيدة والتنظيم والإنتماء الذي صاغه أهل الأرض بالقداسة والقيم . وبعد أن اتضحت الأمور في الأيام الأولى، بادرت الجبهة بالتنظيم والترتيب من جديد.. من أجل العمل على الردّ وإرساء المعادلة الوحيدة التي يفهمها العدوّ والمحتلّ؛ الا وهي معادلة الإقتدار والقوّة. وعلى أعتاب الجنوب، كانت البطولة والبسالة من عالمٍ آخر. عالمٌ ينتمي إلى الإلتزام والكفاءة والشرف، ويعكس معاني الإرادة والعمل والسيادة من أجل الوطن.
إن قيمة السياسة اليوم، تتجاوز النظريات التحليلية التقليدية – وخصوصاً في منطقتنا العربية – في لبنان وفلسطين وسورية والعراق، وباقي دول المنطقة، والدروس المصيرية والتاريخية، تمنحنا الأفضلية لقراءة الواقع والمتغيّرات من أجل المستقبل؛ في مسألة الإستقلال والسيادة أولاً، وأيضاً في مسألة الهوية الوطنية الجامعة، من خلال برامج التنمية والإصلاح السياسي، عبر مفاهيم المواطنة ومشاريع العدالة الإجتماعية.
المعاني الجديدة في السياسة والإرادة، لا تستطيع أن تنطلق نحو الأمام، من دون إدراك القيمة الفعلية والإنسانية للعمل السياسي والإشتغال بالشأن العام. وقد تحدث الكاتب المصري الكبير سلامة موسى، عن “قيمة السياسي” التي لا تقدر بثمن.. عندما يكون مؤدياً لدوره ورسالته في خدمة الوطن والمجتمع. وهذه الصفات النبيلة؛ نشحذها من عقيدته الفكرية والسياسية الناهضة بمشاعل النور والتطوير، في كيان الدولة والمصلحة العامة.


