في خطوةٍ تذكر بأحلك أيام الاستعمار القديم، شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدوانًا عسكريًا صريحًا على فنزويلا، في ترجمة عملية لوحشية السياسة الأمريكية التي تتزعمها إدارته. يأتي هذا العدوان بعد عام واحد فقط من عدوانه المشترك مع الكيان الصهيوني على إيران، ليؤكد ترامب مكانته كأكثر الرؤساء الأمريكيين عدوانية في التاريخ المعاصر، وليكشف عن الوجه الحقيقي لطموحاته الشخصية، ومن بينها الترشح لجائزة نوبل للسلام، التي تتناقض تناقضًا صارخًا مع سياساته.
الهدف المُعلن وراء هذه الحرب القذرة واضح ولا لبس فيه: وضع اليد على الاحتياطي النفطي الهائل الذي تمتلكه فنزويلا، والمقدر بنحو 300 مليار برميل، أي ما يعادل 20 % من الاحتياطي العالمي. هذا الكنز يفوق احتياطيات دول مثل السعودية وإيران والعراق مجتمعة، مما يجعله مطمعًا استراتيجيًا للإمبراطورية الأمريكية المتعطشة للهيمنة.
ولفهم جذور هذا العدوان، يجب العودة إلى “عقيدة مونرو” الاستعمارية التي أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، والتي تعتبر أمريكا اللاتينية “حديقة خلفية” للولايات المتحدة، وتحظر أي نفوذ أوروبي فيها. لقد تطورت هذه العقيدة لتصبح أداة لسحق أي إرادة استقلالية لدى شعوب المنطقة، واعتبار أي نزوع نحو السيادة تهديداً للمصالح الأمريكية. ما يحدث اليوم في فنزويلا هو الفصل الأخير من هذه العقيدة، حيث يتم تدجين المنطقة بالقوة العسكرية المباشرة.
لم يكن العدوان عملاً عسكريًا تقليديًا فحسب، بل كان عملية لصوصية إرهابية بكل معنى الكلمة. فقد استهدف الطيران الأمريكي البرلمان الفنزولي، والمطارات، ومحطات الكهرباء الحيوية، بالإضافة إلى أهداف مدنية وعسكرية أخرى. بل تجاوز ذلك إلى قصف منازل الوزراء والمسؤولين، في انتهاك سافر لكافة الأعراف والقوانين الدولية. ذروة الجريمة كانت في اختطاف الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما قسرًا خارج البلاد، في سابقة خطيرة تشبه عمليات العصابات.
لا يمكن اختصار ما يحدث في فنزويلا ضمن إطار “مظاهرات سلمية” أو “مطالب ديمقراطية”. المشهد الحقيقي هو عدوان إمبريالي واضح ضد دولة مستقلة، تُفرض عليها عقوبات اقتصادية مجحفة منذ سنوات، مما يزيد معاناة شعبها.
هذا الهجوم يمثل محاولة ممنهجة لكسر إرادة الشعب والتحكم في خياراته. لذلك، فإن التضامن العالمي مع الشرعية الدستورية في فنزويلا ليس مطلبًا سياسيًا فحسب، بل واجب أخلاقي وإنساني. الوقوف معها يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ السيادة وحق تقرير المصير. إنه دفاع عن مبدأ أساسي: ألا تتحول أي دولة أخرى إلى ضحية للمشاريع الإمبراطورية، وأن تظل إرادة الشعوب هي الحَكَم.


