شرارةُ بلقيس تُشعلُ العراق

0
8

“أتعرف ما معنى الكلمة؟! مفتاح الجنة في كلمة.. ودخول النار على كلمة…الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور” وردت على ذهني هذه الأبيات لعبد الرحمن الشرقاوي والتي اشتهرت على ألسنة الكثير من الممثلين، وأنا أتابع المعركة التي أشعلتها كلمة تفوّهت بها الأديبة العراقية ذات الأصول اللبنانية بلقيس شرارة في حق بدر شاكر السياب أحد كبار شعراء القرن العشرين ومجدديه. ففي بودكاست “سردية” الذي استمر قرابة ثلاث ساعات تحدثت هذه المرأة التي بلغت الثانية والتسعين من عمرها عن  شخصيات وأحداث في تاريخ العراق الحديث، وبخاصة أنها في أغلب ما روته كانت شاهدة عيان لقربها من الوسط الثقافي والسياسي العراقي آنذاك فوالدها محمد شرارة الأديب صاحب الصالون الثقافي، وأختها حياة الكاتبة والمترجمة التي أنهت حياتها منتحرة، أما زوجها رفعت الجادرجي فأشهر مهندس معماري عراقي وهو ابن الوزير كامل الجادرجي مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي، فلشهادة بلقيس شرارة المحاطة بهذه الترسانة المهمة من رجال الأدب والسياسة قيمة لا تنكر، وقد كان لقاؤها في بودكاست سردية كذلك، لولا “الكلمة”. ففي أثناء حديثها عن صالون والدها الثقافي ذكرت بعض روّاده ومن جملتهم الشاعر العراقي الأشهر بدر شاكر السياب، وتحدثت عن حبه للشاعرة لميعة عباس عمارة وسعي والدها لتزويج بدر من لميعة، وحين سأل  مقدّم البودكاست بلقيس شرارة عن شخصية بدر شاكر السياب، كان جوابها الذي لم يدم أكثر من دقيقة صادماً للكثيرين فبعفوية جارحة أجابت بلقيس “شخصية بدر ضعيفة جدا جدا، هل السبب في ذلك أن شكله ضعيف وقصيّر ووجهه ليس جميلا وأذناه كبيرتان”، وكانت هذه الثواني القليلة كفيلة بإحداث شرخ عمودي في الوسط الثقافي العراقي والعربي أيضا. والمؤسف أن النقاش التي اتسم بالحدّة، لم يكن حول قيمة السياب الشعرية ولا عن ريادته لشعر التفعيلة وما أحدثه ذلك من نقلة مفصلية في مسار الشعر العربي، بقدر ما تمحور حول الجسد وقبحه، وهل ما قيل كان إساءة مبيّتة تكتسي ثوب “التنمر المتأخر” كما وُصِفت؟ أم زلة لسان نتجت عن العمر الكبير للمرأة التي اقتربت من القرن، وطبيعة الحميمية في الحوارات البودكاستية؟

لنتفق أن الإشارة إلى مفاهيم القبح أو العاهات أو التشوه والتعيير بها، ليست جديدة في أي أدب ومن يعُدْ إلى مدونة الشعر العربي يجد نماذج عديدة عن ذلك، فلا يغيب عن بالنا أنّ الفرزدق لقِّب بهذا الاسم لضخامة وجهه الشبيه بالرغيف المحروق، والجاحظ سمي هكذا لبروز عينيه، بل نجد أن الحطيئة استبق خصومه في هجاء نفسه بالدمامة فقال: (أرى ليَ وجها قبّحَ الله خلقَه/ فقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّح حاملُه)، وفي الأدب الغربي أيضا أمثلة عديدة عن كتّاب تعرضوا للتنمّر اللفظي من زملائهم، فالروائية والشاعرة جورج إليوت عانت من كتابات بعض معاصريها عن قبح شكلها، فقد وصفها الروائي هنري جيمس ذات مرة في رسالة إلى والده بأنّها “قبيحة بشكل رائع، وبشعة بشكل لذيذ”. وأضاف بأن الكاتبة “ذات الوجه الحصاني كانت تتمتع بأنف ضخمٍ متدلٍّ وجبهة منخفضة وأسنان سيئة” مما دفعها إلى أن تمزح من نفسها حول قبحها في رسائلها إلى أصدقائها. وكافكا نفسه كان واعيا بعيوبه الخَلقية والخُلقية ولم يترك الفرصة للآخرين بالإشارة إليها، بل سبقهم بوصف نفسه في رسالة إلى حبيبته ميلينا كاتبا “لن تستطيعي البقاءَ إلى جانبي مدّة يومين.. أنا رخوٌ، أزحفُ على الأرض أنا صامتٌ طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويّ”. ومن يتتبع السير الذاتية للأدباء وأدبيّات الخصومة يجد ما لا يعد ولا يحصى من الإشارات إلى القبح الجسدي، وحتى في موضوع السياب ليست هذه أول إشارة إلى ملامحه الجسدية ففي أشهر دراسة أدبية كتبت عنه وأقدمها أعني كتاب إحسان عباس “بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره” يفتتح فصل “صور وذكريات” بهذا الوصف الجسدي للسياب “رُكِّب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير … على جانبيه فم واسع، تبرز (الضبة) العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عمل اقتساري” وهو لا يختلف كثيرا عن وصف بلقيس شرارة غير أن لجوءها إلى التعبير بالعامية العراقية (آذانه كل أذن هالكبرها) جعل الوصف يبدو وكانه شتيمة، وحتى ما قالته بلقيس شرارة عن ولع بدر بالنساء وبتعبيرها (هو كل ما شاف وحدة حلوة ينظم بيها قصيدة) قال مثله وأكثر صديقه محمد الماغوط حين كتب مرة “ما إن سلمت عليه أول معجبة وهي تتنهد حتى ارتخى، وأخذ يصرفني من بعيد بإشارات متلاحقة من يده. وكلما ازداد عدد المتحلقات من حوله بثيابهن الفاخرة وعطورهن المثيرة، ركبه الغرور أكثر وأكثر، وراح يحلق في أجواء من المواعيد الوهمية والأجواء الكاذبة”. فلماذا لم يستفزّ ما قاله إحسان عباس أو الماغوط عشاق السياب مثلما استفزهم حديث بلقيس شرارة؟

 للإنصاف ما قالته بلقيس شرارة في حق بدر شاكر السياب خطأ وليس خطيئة، وحسنا فعلت السيدة الفاضلة آلاء ابنة السياب بالرد فهي المعنية الأولى بالموضوع فقد تناولت بلقيس من جهة شخصية والدها ووالدتها، ولم تتناول أدبه، وإن كان رد السيدة آلاء اتسم بالحدّة، فقد رأت في كلام شرارة “تشويهًا متعمّدًا، وافتراءً سافرًا، وإساءة أخلاقية وفكرية لا تستند إلى حقيقة ولا وثيقة ولا شهادة موثوقة” فهو في رأيها “كلام مرسل يفتقر إلى الصدق، ويكشف عن جهل أو تحامل” وأردفت ذلك بسلسلة من النعوت مثل: الأكاذيب، الافتراء، إساءات،  تصفية حسابات شخصية رخيصة، روايات مشبوهة الدوافع، بل ترفعت آلاء حتى على أن تذكر اسم بلقيس فسمتها “زوجة رفعت الجادرجي”، وليس من حق أي كان أن يطالب ابنة السياب بالاعتدال في ردها فليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، ولكن ما ليس مقبولاً أن يقابل التنمر كما وصفوه بتنمر أشد، كأن يصرح الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في البصرة الشاعر علي الإمارة بأن “هذا الكلام صدر عن شخصية غير معروفة في الأدب العراقي أو العربي، وغير مهمة في النقد أو في الآراء الأدبية”، أو أن يُختصر منجز بلقيس شرارة في كتابها  “الطباخ: دوره في حضارة الإنسان (التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة)” وهو بالمناسبة موسوعة من 750 صفحة فريدة في بابها فيكتب أحدهم مقالا بعنوان “نخل جيكور وثرثرة القدور” ورد فيه “هي صاحبة مؤلفات تترنح بين الجدران والقدور، وذاتها التي قضت سنوات عمرها ترتب الصحون في مؤلفاتها”، ويرى أن حديثها المعيب عن السياب -وهو معيب حقا- ليس مجرد سقطة لسان أو زلة ذاكرة، بل هو (قيء ثقافي) واستعلاء طبقي مقيت. ويمكن للقارئ الموضوعي أن يجمع قاموسا من الشتائم بحق عجوز تسعينية أخطأت فيما يشبه الثرثرة النسائية العفوية في حق رمز من رموز العراق، فنقرأ أوصافا مثل (الاستعلاء النفسي-  تكريس ثقافة التسطيح – وتغذية النزعات التنمرية في المجتمع – خُبثٍ طبقي متأصل- قُبحٍ ثقافي). لماذا لم نضع كلام السيدة بلقيس في إطاره الصحيح، ونتغاضى عن أنها في نفس الموضع من حديثها قالت عن السياب “… لكنه كان إنسانا عبقريا بالحقيقة، بالنسبة للشعر ولما قدمه” ونتناسى أنها تذكّرت السياب في ذكرى وفاته الستين فكتبت عنه مقالا مطولا في جريدة المدى في حين أن أغلب من هاجموها لم نسمع لهم صوتا.

زلّة لسان بلقيس شرارة وسوء تعبيرها يجب أن يكونا فرصة لإعادة بعث شاعر المطر واستكشاف جوانب جديدة في منجزه الشعري وتعريف الأجيال الجديدة بشعره، لا استغلال الغلط البلقيسي لاتخاذ سمعة السياب مطيّة توصل مستغلي الموقف إلى مآرب أخرى، ما صرّحت به الأديبة بلقيس لطخة سوداء هامشية على المتن السيابي لا ينبغي تضخيمها لتغدو هي المتن فيتضائل معها إبداع ابن جيكور، فنسيء إليه بأكثر من الإساءة التي نزعم إدانتنا لها.