في علم الجيولوجيا، كلما تعمّقنا أكثر في طبقات الأرض، ارتفعت درجة الحرارة، واشتد الضغط، وقلّت المساحات الآمنة. هذه ليست نظرية سياسية، بل حقيقة علمية لا تختلف عليها المراجع ولا تحتاج إلى لجان تفسير. ومع ذلك، يبدو أن بعض هناك تفضيل لدراسة الطبقات من الأعلى فقط، حيث الهواء ألطف، والرؤية أوضح، الصورة أبسط وأقل تعقيداً
في الخطاب السائد، يجري التركيز المكثف على”الطبقة المتوسطة” باعتبارها العمود الفقري للاستقرار، وحجر الأساس للنمو، والهدف المثالي لكل السياسات. لكن السؤال الذي لا يُطرح كفاية: ماذا عن الطبقات التي تقع أسفل هذا السطح المصقول؟ ماذا عن أولئك الذين يعيشون أقرب إلى “نواة” المجتمع، حيث ترتفع حرارة الأسعار، ويزداد ضغط الإيجارات، وتصبح الخدمات الأساسية عبئًا لا يُحتمل؟
الطبقة المتوسطة نفسها، التي يُفترض أنها في منطقة الأمان الجيولوجي، لم تعد قادرة على امتصاص الصدمات. موجات الغلاء المتتالية، تغيّر أنماط الدعم، وارتفاع كلفة المعيشة، جعلتها تتآكل ببطء، تنزلق طبقةً بعد أخرى نحو الأسفل، بينما يستمر الخطاب في التعامل معها كأنها ثابتة في مكانها، محصّنة من الانهيارات.
أما الطبقات الأدنى، فهي الغائب الأكبر عن النقاش. لا تُذكر إلا كأرقام، أو كهوامش في تقارير، أو كعبء يجب «ترشيده». يُتخذ القرار بشأن الأسعار، والدعم، والخدمات، ثم يُقال لاحقًا إن “الأثر سيكون محدودًا”، دون أن يُسأل: محدود على من؟
الاقتصاد الذي يركّز على طبقة واحدة، ويتجاهل البقية، لا يبني دولة متماسكة، بل يُنتج سوقًا. سوقًا تُصنّف فيه الأسر حسب قدرتها الشرائية، وتُرصّ على أرفف متفاوتة الارتفاع، كما في هايبر ماركت أجنبي، حيث لا قيمة للإنسان خارج بطاقة السعر، ولا معنى للاستقرار خارج القدرة على الدفع.
الدولة التي تُقاس قوتها بسلامة طبقة واحدة فقط، هي هو نموذج هش مهما بدا متماسكاً على السطح. فالتاريخ، كما الجيولوجيا، يُعلّمنا أن الانفجارات لا تبدأ من الأعلى، بل من الأعماق التي أُهملت طويلًا، حتى وصلت حرارتها حدّ الانصهار.
هذا ليس علم اقتصاد… هذا علم طبقات.


