كتبها: Robert W. McChesney
ترجمة: غريب عوض
الليبرالية الجديدة the Neoliberalism هي النموذج الاقتصادي السياسي المُحدِد لِعصرنا، وهي تُشيرُ إلى السياسات والعمليات التي تُتيح لِقِلةٌ قليلة من المصالح الخاصة السيطرة على أكبر قدر مُمكن من الحياة الإجتماعية لتحقيق أقصى قدر ممكن من الرِبح الشخصي. أرتبطت الليبرالية الجديدة في البداية بالرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان Ronald Reagan، ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر Margaret Thatcher، وعلى مدى العقدين الماضيين أصبحت الليبرالية الجديدة الأتجاه الأقتصادي السياسي العالمي السائد الذي تبنتهُ أحزاب الوسط وجزء كبير من اليسار التقليدي، فضلاً عن اليمين. تُمثّل هذهِ الأحزاب والسياسات التي تُطبِقُها المصالح المُباشِرة لِمُستثمرين أثرياء للغاية وأقلُ من ألف شركة كبيرة.
باستثناء بعض الأكاديميين وأعضاء مجتمع الأعمال، فإن مُصطلح Neoliberalism الليبرالية الجديدة غيرُ معروف إلى حدٌ كبير وغيرَ مُستخدم من قِبَل عامة الناس، وخاصة في الولايات المتحدة. على العكس من ذلك، تُوصف مبادرات الليبرالية الجديدة هُناك بأنها سياسات سوق حُرة تُشجّع المشاريع الخاصة واختيارات المُستهلكين، وتُكافئ المسؤولية الشخصية والمُبادرة الريادية، وتُقوض يد الحكومة غير الكفؤة والبيروقراطية الطُفيلية التي لا يمكنها فعل الخير أبداً حتى لوكانت نواياها حسنة، وهو أمرٌ نادراً ما يكون كذلك. لقد أضفى جيلٌ من جهود العلاقات العامة، المُموّلة من الشركات، على هذهِ المُصطلحات والأفكار هالة شِبه مُقدسة؛ ونتيجة لذلك، نادِراً ما تتطلب إدِعاءاتها دفاعاً، وتستشهد بها لتبرير أيُ شيء، بِدءاً من خفض الضرائب على الأثرياء واإلغاء اللوائح البيئية وصولاً إلى تفكيك التعليم العام وبرامج الرِعاية الإجتماعية. في الواقع، يُصبح أي نشاط قد يتعارض مع هيمنة الشركات على المجتمع موضع شك تلقائياً لأنهُ سيتعارض مع آليات السوق الحُرة، الي تُقَدَم على أنها الموزع الوحيد العقلاني والعادل والديمقراطي للسلع والخدمات. في أكثر حالاتهم بلاغة، يبدو أن أنصار الليبرالية الجديدة يقدمون للفقراء والبيئة وكل شخص آخر خِدمةٌ هائلة من خلال سن سياسات نيابة عن قِلة من الأثرياء.
لقد كانت العواقب الأقتصادية لهذهِ السياسات هي نفسها في كل مكان تقريباً، وهي بالضبط ما قد يتوقعهُ المرء: زيادة هائلة في التفاوت الإجتماعي والإقتصادي، وزيادة ملحوظة في الحرمان الشديد لأفقر دول وشعوب العالم، وبيئة عالمية كارثية، وأقتصاد عالمي غير مُستقر، ومكسب غير مسبوق للأثرياء. في مواجهة هذهِ الحقائق، يزعم المُدافعون عن نظام الليبرالية الجديدة بأن غنائم الحياة الطيبة سوف تنتشر حتماً إلى الغالبية العُظمى من السكان – طالما لم يتم التدخُل في سياسات الليبرالية الجديدة التي تؤدي إلى تفاقم هذهِ المشاكل!
وفي نهاية المطاف فإن الليبراليون الجُدُد، لا هم يستطيعون ولا هم يريدون أن يُقدموا دفاعاً تجريبياً عن العالم الذي هُم يصنعونه. وعلى العكس من ذلك، لا يقدمون ولا يطلبون إيماناً دينياً بِعِصمة السوق غير المُنظمة، إيماناً يستند إلى نظريات القرن التاسع عشر التي لا ترتبط كثيراً بالعالم الفعلي. لكنَ الورقة الرابِحة النهائية للمدافعين عن الليبرالية الجديدة هي أنهُ لا يوجد بديل. يُعلن الليبراليون الجُدُد أن المجتمعات الشيوعية، والديمقراطيات الأجتماعية، وحتى دول الرفاه الإجتماعي المتواضعة كالولايات المتحدة الأمريكية، قد فشلت جميعها، وقد تَقَبّلَ مواطنوها الليبرالية الجديدة باعتبارها المسار الوحيد المُمكن. قد تكون ناقِصة، لكنها النظام الإقتصادي الوحيد المُمكن.
وفي أوائل القرن العشرين، وصف بعض النُقاد الفاشية بِأنها “رأسمالية بلاقفازات”، أي أنها كانت رأسمالية خالصة بلا حقوق أو مُنظمات ديمقراطية. في الواقع، نعلم إن الفاشية أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. أما الليبرالية الجديدة، فهي في الواقع “رأسمالية بلاقفازات”. إنها تُمثل حقبة أصبحت فيها قوى الأعمال أقوى وأكثر عدوانية، وتواجه مُعارضة أقلُ تنظيماً من أي وقت مضى. في هذا المناخ السياسي، تُحاول هذهِ القوى ترسيخ نفوذها السياسي على جميع الجبهات الممكنة، مما يجعل من الصعب بشكل متزايد تحدى الأعمال – ويكاد يكون من المستحيل – وجود قوى غير سوقية وغير تجارية وديمقراطية
. ومن خلال قمعها للقوى غير السوقية على وجه التحديد، نرى كيف تعمل الليبرالية الجديدة ليس فقط كنظام اقتصادي فحسب، بل كنظام سياسي وثقافي كذلك. وهُنا تبرز الإختلافات عن الفاشية، بإزدِرائها للديمقراطية الرسمية وحركاتها الإجتماعية المُكثفة القائمة على العُنصرية والقومية. إن الليبرالية الجديدة تعمل على أفضل وجه عندما تكون هناك ديمقراطية إنتخابية رسمية، ولكنها تعمل عندما يتم تحويل المواطنين عن المعلومات والوصول إلى المُنتديات العامة الضرورية للمُشاركة، الخبير Milton Friedman الهادفة في صنع القرار. وكما قال ميلتون فريدمان الليبرالي الجديد، في كِتابهِ بعنوان *”الراسمالية والحُرية”*، بما أن تحقيق الربح هو جوهر الديمقراطية، فإن أي حكومة تنتهج سياسات مُعادية للسوق تكون مُعادية للديمقراطية، مهما بلغ الدعم الشعبي المُستنير الذي قد تُحظى بهِ. لذلك، من الأفضل حصر دور الحكومات في حِماية المُلكية الخاصة وإنفاذ العقود، وحصر النِقاش السياسي في القضايا الثانوية. (يجب أن تُحدد قوى السوق القضايا الحقيقية المُتعلقة بإنتاج الموارد وتوزيعها والتنظيم الإجتماعي).
مُجهزين بهذا الفهم المُنحاز للديمقراطية، لم يكن لدى الليبراليين الجُدُد مثل ميلتون فريدمان Milton Friedman أي تحفظات بشأن الإنقلاب العسكري على حكومة الليندي Allende المُنتخبة ديمقراطياً في تشيلي في عام 1973، لأن الليندي يتدخل في سيطرة الشرِكات على المجتمع التشيلي. وبعد خمسة عشر عاماً من الدكتاتورية الوحشية والهمجية في كثير من الأحيان – كل ذلك بإسم السوق الحُرة الديمقراطية – أُعيدت الديمقراطية الرسمية في عام 1989 بدستور جعل من الصعب للغاية، إن لم يكُن من المستحيل، على المواطنين تحدي هيمنة الشركات والجيش على المجتمع التشيلي. تلك هي ديمقراطية الليبرالية الجديدة باختصار: نقاش تافه حول قضايا ثانوية من قِبل أحزاب تسعى أساساً إلى نفس السياسات المؤيدة للأعمال بغض النظر عن الأختلافات الرسمية ونِقاش الحملات الإنتخابية. الديمقراطية مسمُحٌ بِها طالما أن السيطرة على الأعمال التجارية محظورة على المُداولات الشعبية أو التغيير؛ أي طالما انها ليست ديمقراطية.
ولهذا فإن نظام الليبرالية الجديدة لهُ نتيجة ثانوية مُهمة وضرورية، وهي المواطنة غير المُسيسة التي تتسم بالامُبالاة والسُخرية. إذا كانت الديمقراطية الأنتخابية لاتؤثر إلا قليلاً على الحياة الإجتماعية، فمن غير المنطقي أن نوليها الكثير من الأهتمام؛ ففي الولايات المتحدة، أرض خِصبة لديمقراطية الليبرالية الجديدة، كان الإقبال على التصويت في إنتخابات الكونغرس في عام 1998 مُنخفِضاً بشكل قياسي، حيثُ ذهب ما يزيد قليلاً على ثلث الناخبين المؤهلين إلى صناديق الأقتراع. ورغم أن انخفاض نسبة المشاركة في التصويت قد يُثير القلق بين الحين والآخر لذى الأحزاب القائمة، مثل الحزب الديمقراطي الأمريكي، التي تميل إلى جذب أصوات المحرومين، فإن أصحاب السُلطة يميلون إلى قبول هذهِ النسبة وتشجيعها بإعتبارها أمراً طيباً للغاية، لأن غير الناخبين، كما هو متوقع، يوجدون بشكل غير متناسب بين الفقراء والطبقة العاملة. تُعرقل السياسات التي من شأنها زيادة اهتمام الناخبين ومُعدلات مُشاركتهم بسرعة قبل طرحها على الساحة العامة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المِثال، رَفَضَ الحزبان الرئيسيان اللذان يُهيمن عليهما قِطاع الأعمال، بدعم من مجتمع الشركات، إصلاح القوانين التي تجعل من شبه المستحيل إنشاء أحزاب سياسية جديدة قد تجذب مصالح غير تجارية، والسماح لها بالنجاح. ورغم وجود إستياءٌ واضح ومُتكرر من الجمهوريين والديمقراطيين، فإن السياسة الإنتخابية تُعدّ أحد المجالات التي لا تُجدي فيها مفاهيم المنافسة والأختيار الحُر نفعاً يُذكر. ومن بعض النواحي، يميل مُستوى النقاش والأختيار في الأنتخابات الليبرالية الجديدة إلى أن يكون أقرب إلى مستوى الدولة الشيوعية ذات الحزب الواحد منهُ إلى مستوى الديمقراطية الحقيقية.
لكن هذا بالكاد يُشيرُ إلى الآثار الضارة لليبرالية الجديدة على الثقافة السياسية التي تُركّز على المدنية. ومن ناحيةٌ أُخرى، فإن عدم المساواة الإجتماعية الناتجة عن سياسات الليبرالية الجديدة يُقوض أي جُهد لتحقيق المساواة القانونية اللازِمة لجعل الديمقراطية ذات مصداقية. تمتلك الشركات الكبرى موارد للتأثير على وسائل الأعلام والتغلب على العملية السياسية، وتفعل ذلك وفقاً لذلك. في سياسة الإنتخابات الأمريكية، على سبيل المِثال لا الحصر، يقدم أغني رُبع واحد في المئة من الأمريكيين 80% من جميع المُساهمات السياسية للأفراد وتنفق الشركات أكثر من العمالة بهامش 1-10. في ظل الليبرالية الجديدة، كُلُ هذا منطقي، حيثُ تعكس الأنتخابات العامة، مبادئ السوق، حيثُ يتم مُساواة المساهمات بالأستثمار. ونتيجة لذلك، فإنهُ يُعزز عدم أهمية السياسة الأنتخابية لمعظم الناس ويضمن الحفاظ على حكم الشركات غير المُتنازَع عليه.
ومن ناحية أخرى، لكي تكون الديمقراطية فعالة، فإنها تتطلب أن يشعر الناس بالأرتباط مع رفاقهم المواطنين، وأن يتجلى هذا الأرتباط من خلال مجموعة مُتنوعة من المنظمات والمؤسسات غير السوقية. تحتاج الثقافة السياسية النابِضة بالحياة إلى مجموعات مُجتمعية، ومكتبات، ومدارس عامة، ومنظمات الأحياء السكنية، والتعاونيات، وأماكن الإجتماعات العامة، والجمعيات التطوعية، والنقابات العمالية لتوفير طُرُق للمواطنين للألتقاء والتواصل والتفاعل مع زُملائهم المواطنين. وديمقراطية الليبرالية الجديدة بمفهومها عن السوق فوق كلُ شيء، تستهدف هذا القطاع بشدة، فبدلاً من المواطنين، تنتج المُستهلكين. وبدلاً من المجتمعات، تنتج مراكز التسوق. والنتيجة النهائية مُجتمع مُشتت من الأفراد المُنعزلين الذين يشعرون بالإحباط والعجز الأجتماعي.
باختصار، إن الليبرالية الجديدة هي العدو المُباشر والرئيسي للديمقراطية التشاركية الحقيقية، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم، وسوف تظل كذلك في المستقبل المنظور.
ومن المناسب أن الشخصية الفكرية الرائدة في العالم نعوم تشومسكي Noam Chomsky يكون اليوم في المعركة من أجل الديمقراطية وضد الليبرالية الجديدة. في ستينيات القرن الماضي، كان نعوم تشومسكي ناقداً أمريكي بارز لحرب فيتنام، وعلى نطاق أوسع، ربما أصبح المُحلل الأكثر دقة في كيفية تقويض السياسة الخارجية الأميركية للديمقراطية، وقمعها لحقوق الإنسان، وتعزيزها لمصالح القِلة الثرية. في سبعينيات القرن الماضي، بدأ تشومسكي، بالتعاون مع زميله المؤلف إدوارد إس هيرمان Edward S. Herman بحثهما حول كيفية خدمة وسائل الأعلام الأمريكية لمصالح النُخبة وتقويض قُدرة المواطنين على إدارة حياتهم بطريقة ديمقراطية. ويظل كِتابهما الصادر في عام 1988 بعنوان *”صِناعة الموافقة”* نقطة البداية لأي بحث جاد في أداء وسائل الإعلام.
طوال هذهِ السنوات، كان تشومسكي، الذي يمكن وصفهُ بالفوضوي anarchist بالمفهوم السياسي، أو بتعبير أدق، بالإشتراكي الليبرالي، مُعارِضاً وناقِداً ديمقراطياً صريحاً ومبدئياً وثابتاً للدول والأحزاب السياسية الشيوعية اللينينية. لقد دَرَس عدداً لايُحصى من الناس، بمن فيهم أنا Robert W. McChesney، أن الديمقراطية رُكنٌ أساسي لا غِنى عنهُ لأي مُجتمع ما بعد رأسمالي يستحق العيش فيه أو النِضال من أجله. في الوقت نفسه، أثبت عبثية مساواة الرأسمالية بالديمقراطية، أو الأعتقاد بأن المجتمعات الرأسمالية، حتى في أفضل الظروف ستُتيح الوصول إلى المعلومات أو صنع القرار بما يتجاوز أضيق الأحتمالات وأكثرها تحكماً. أشك في أن أي كاتب، ربما بإستثناء جورج أورول George Orwell، قد أقترب من تشومسكي في إنتقادهِ المنهجي لِنفاق الحُكام الأيديولوجيين في كل المجتمعات الشيوعية والرأسمالية، إذ يدّعون أن ديمقراطيتهم هي الشكل الوحيد للديمقراطية الحقيقية المُتاحة للبشرية.
في تسعينيات القرن الماضي، تضافرت كل هذهِ التوجهات في عمل تشومسكي السياسي – من مُناهضة الإمبريالية والتحليل النقدي لوسائل الأعلام إلى كِتاباتهِ عن الديمقراطية والحركة العُمالية – لِتُتوج أعمالاً مثل هذا الكتاب عن الديمقراطية وتهديد الليبرالية الجديدة. لقد بذل تشومسكي جهوداً كبيرة لإنعاش فهم المُتطلبات الإجتماعية للديمقراطية، مُستفيداً من الإغريق القُدماء، فضلاً عن رواد الثورات الديمقراطية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكما يُوضح، من المستحيل أن تكون مُناصراً للديمقراطية التشاركية وفي الوقت نفسهِ مُناصراً للرأسمالية، أو أيُ مُجتمعٌ آخر مُقسماً طبقياً. في تقييمهِ للنِضالات التاريخية الحقيقية من أجل الديمقراطية، يكشفُ تشومسكي أيضاً كيف أن الليبرالية الجديدة ليست أمراً جديداً، بل هي مُجرد النسخة الحالية من معركة القِلة الغنية لتقييد الحقوق السياسية والسُلطات المدنية للأغلبية.
قد يكون تشومسكي أيضاً الناقد الرئيس لأسطورة السوق “الحُر” الطبيعية، تلك النشيدة المبهجة التي تغرس في أذهاننا حول كون الأقتصاد تنافسياً وعقلانياً وفعالاً وعادلاً. وكما يُشير تشومسكي، فإن الأسواق نادِراً ما تكون تنافسية. فمُعظم الأقتصاد تُهيمن عليه شركات ضخمة ذات سيطرة هائلة على أسواقها، وبالتالي لا تواجه سوى مُنافسة ضئيلةٌ جداً من النوع الموصوف في كُتُب الأقتصاد وخُطَب السياسيين. علاوةٌ على ذلك، فإن الشركات نفسها هي في الواقع مُنظمات استبدادية تعمل وفق أُسُس غير ديمقراطية. إن تمركز أقتصادنا حول هذهِ المؤسسات يُضعِف بِشدة قُدرتنا على بِناء مجتمعٌ ديمقراطي.
كما تعترف أسطورة السوق الحُرة أن الحكومات مؤسسات غير فعالة ويجب تقييدها حتى لا تضر بسحر سوق عدم التدخل “عدم التدخل” الطبيعي. في الواقع، كما يُؤكد تشومسكي، فإن الحكومات محور النظام الرأسمالي الحديث، فهي تدعم الشركات بِسخاء وتعمل على تعزيز مصالحها على جبهات عديدة. إن الشرِكات نفسها التي تبتهج بايديولوجية الليبرالية الجديدة هي في الواقع غالباً ما تكون مُنافِقة: فهي تُريد وتتوقع من الحكومات أن تحول دولارات الضرائب إليها، وأن تحمي أسواقها من المُنافسة، لكنها تُريد التأكُد من أن الحكومات لن تفرض عليها ضرائب أو تعمل بشكل داعم نيابةً عن المصالح غير التِجارية، وخاصةً نيابةً عن الفُقراء والطبقة العاملة. إن الحكومات أكبرُ من أي وقت مضى، ولكن في ظل الليبرالية الجديدة لديها تظاهر أقل بكثير بأنها مُهتمة بمُعالجة المصالح غير التجارية.
وما من مكان تتجلى فيهِ مركزية الحكومات وصنع السياسات أكثر من بروز اقتصاد السوق العالمي. فما يُصوّرهُ أصحاب الأيديولوجيات المؤيدة للأعمال التجارية على أنهُ توسع طبيعي للأسواق الحُرة عبر الحدود، هو في الواقع عكس ذلك تماماً. فالعولمة globalization هي نتيجة حكومات قوية، وخاصة حكومة الولايات المتحدة، تَفرضُ صفقات تجارية واتفاقيات أُخرى على شعوب العالم، لتسهيل سيطرة الشركات والأثرياء على اقتصادات الدول دون أي التزامات تجاهها. وما من مكان تتجلى فيه هذهِ العملية أكثر من إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO في أوائل التسعينيات، والآن في المُداولات السرية بشأن اتفاقية الأستثمار المُتعدد الأطراف Multilateral Agreement on Investment.
في الواقع، يُعد عدم القدرة على إجراء نِقاشات ومُناظرات صادقة وصريحة حول الليبرالية الجديدة من أبرز سِماتها. يُعدّ نقد تشومسكي لنظام الليبرالية الجديدة محظوراً عملياً على التحليلات السائدة، على الرغم من قوته التجريبية والتزامهِ بالقيم الديمقراطية. وهُنا، تأتي فائدة تحليل تشومسكي للنظام العقائدي في الديمقراطيات الرأسمالية. تلعب وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للشركات، وصناعة العلاقات العامة، والأيديولوجيون الأكاديميون، والثقافة الفكرية عموماً، دوراً مِحورياً في خلق “الأوهام الضرورية” لجعل هذا الوضع غيرَ المُستساغ يبدو عقلانياً وخَيّراً وضروري، إن لم يكُن بالضرورة مرغوباً فيه. كما يُسارع تشومسكي إلى الإشارة، إن هذا ليس مؤامرة رسمية من قِبل مصالح قوية: ليس بالضرورة أن يكون كذلك. فمن خلال مجموعة مُتنوعة من الآليات المؤسسية، ترسَلُ إشارات إلى المثقفين والخُبراء والصَحفيين، تدفعهم إلى اعتبار الوضع الراهن أفضل العوالم المُمكنة، بعيداً عن تحدي المُستفيدين منه. يُعدّ عمل تشومسكي دعوة مُباشرة للنُشطاء الديمقراطيين لإعادة صياغة نظامنا الإعلامي بِحيثُ يُصبح مفتوحاً أمام وجهات نظرٍ وتساؤلات مُناهِضة للشرِكات ولليبرالية الجديدة. هو أيضاً تحدٍ لجميع المُثقفين، أو على الأقل أُولئك الذين يُعبِرون عن إلتزامهم بالديمقراطية، ليلقوا بنظرة عميقة في المِرآة، ويسألوا انفُسِهِم لمصلحة من، ولأية قيم، يؤدون عملهم.
إن وصف تشومسكي لسيطرة الليبرالية الجديدة والشركات على أقتصادنا، ونظامنا السياسي، وصحافتنا، وثقافتنا، بالغ القوة والجبروت، لدرجة أنهُ قد يُثير لدى بعض القُراء شعوراً بالأستسلام. في عصرنا السياسي المُحبِط، قد يمضي البعض خِطوةٌ أبعد، ويستنتجون أننا مُتورِطون في هذا النظام الرجعي، لأن البشرية، للأسف، عاجزة ببساطة عن إقامة نِظامٌ إجتماعي أكثر إنسانية ومُساواة وديمقراطية.
في الواقع، قد يكون أفضل إسهام لِتشومسكي هو إصرارهِ على الميول الديمقراطية الأساسية لشعوب العالم، والإمكانيات الثورية الكامنة في تلك الدوافع. وخيرُ دليل على هذهِ الإمكانية هو المدى الذي تصل إليه قوى الشرِكات في منع قيام ديمقراطية سياسية حقيقية. يُدرِكُ حُكام العالم ضمنياً أن أنظمتهم قائمة لتلبية إحتياجات القِلة، وليس الأغلبية، إنهُ لا يمكن السماح أبداً للأغلبية بِمُساءلة حُكم الشرِكات وتغييره. وحتى في الديمقراطيات المُتعثِرة القائمة، يعمل مُجتمع الشرِكات بلا كلل لضمان عدم طرح قضايا مُهِمة للنِقاش العام، مثل إتفاقية الأستثمار مُتعدد الأطراف MAI. وينفق مجتمع الأعمال ثروة طائلة على تمويل أجهزة العلاقات العامة لإقناع الأمريكيين بأن هذا هو أفضل العوالم المُمكنة. وبهذا المنطق، سيأتي وقت القلق بِشأن إمكانية التغيير الإجتماعي نحو الأفضل عندما يتخلى مجتمع الشركات عن العِلاقات العامة وشِراء الإنتخابات، ويسمح بِوسائل إعلام تمثيلية، ويشعر بالأرتياح لإقامة ديمقراطية تشاركية حقيقية قائمة على المُساواة لأنهُ لم يَعُد يخشى سُلطة الأغلبية. لكن ليس هناك ما يدعو للأعتقاد بِأن هذا اليوم سيأتي على الأطلاق.
إن الرسالة الأبرز لليبرالية الجديدة هي أنهُ لا بديل عن الوضع الراهن، وأن البشرية قد بلغت أسمى مُستوياتها. يُشيرُ تشومسكي إلى وجود فترات أُخرى عديدة وُصِفت بـ “نهاية التاريخ” في الماضي. ففي عشرينيات وخمسينيات القرن الماضي، على سبيل المِثال، زَعَمَت النُخب الأمريكية أن النظام يعمل، وأن الهُدوء الجماهيري يعكس رضاً واسع النِطاق عن الوضع الراهن. إلا أن الأحداث التي أعقبت ذلك بوقت قصير أبرزت حماقة هذهِ الإعتقادات. أظِنُ أنهُ بِمُجرد أن تُحقق القوى الديمقراطية انتصارات ملموسة، سيعود الدم إلى عُروقها، وسيسلك الحديث عن انعدام الأمل في التغيير نفس مسار جميع أوهام النُخَب السابقة حول ترسيخ حكمها المجيد لِألف عام.
إن فكرة إستحالة وجود بديل أفضل للوضع الراهن أصبحت أبعد من أي وقت مضى، في عصرنا الذي تتوافر فيه تقنيات مُذهِلة لتحسين أحوال البشر. صحيح أن كيفية إرساء نِظام ما بعد رأسمالي قابل للأستمرار، حُر وإنساني، لا تزال غامِضة، بل إن هذهِ الفكرة في حد ذاتها تحملُ في طياتها مسحة طوباوية. لكن كلُ تقدمٌ في التاريخ، من إنهاء العبودية وإرساء الديمقراطية إلى إنهاء الأستعمار الرسمي، كان عليه في مرحلة ما أن يتغلب على فكرة إستحالة تحقيق ذلك لأنهُ لم يحدث من قبل. وكما يُسارع تشومسكي إلى الإشارة، إن النشاط السياسي المُنظم مسؤول عن مُستوى الديمقراطية الذي نتمتع بهِ اليوم، وعن حق الأقتراع العام للبالغين، وحقوق المرأة، والنقابات العمالية، والحقوق المدنية، والحُريات التي نتمتع بِها. وحتى لو بدأ مفهوم مجتمع ما بعد الرأسمالية بعيد المنال، فإننا نعلم أن النشاط السياسي البشري قادر على جعل العالم الذي نعيشُ فيه أكثر إنسانية بكثير. وعندما نصل إلى هذهِ النقطة، ربما نتمكن مرةٌ أُخرى من التفكير في بِناء اقتصاد سياسي قائم على مبادئ التعاون والمساواة والحُكم الذاتي والحُرية الفردية.
وحتى ذلك الحين، ليس النِضال من أجل التغيير الإجتماعي مسألة افتراضية. لقد ولّد نظام الليبرالية الجديدة الحالي أزمات سياسية واقتصادية هائلة من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. إن جودة الحياة في الدول المُتقدمة في أوروبا واليابان وأمريكا الشمالية هشة. والمجتمعات هُناك في حالة اضطراب شديد. إضطرابات هائلة تلوحُ في الأفق في السنوات والعقود القادمة. ومع ذلك، هناك شك كبير حول نتائج تلك الأضطرابات، ولا يوجد ما يدعو للأعتقاد بأنها ستؤدي تلقائياً إلى حل ديمقراطي وإنساني. سيُحدد ذلك كيفية تنظيمنا، نحنُ الشعب، وردود أفعالنا، وتصرُفُنا. وكما يقول تشومسكي، إذا تصرفت كما لو أنه لا توجد إمكانية للتغيير نحو الأفضل، فإنك تضمن أنهُ سوف لن يكون هناك تغيير للأفضل. الخيارُ لنا، الخيارُ لكم.


